في كل مرة كان يستعين فيها الرئيس المخلوع، حسني مبارك، بالقضاء، سواء في الإشراف الصوري على الاستفتاء أو التعديلات الدستورية، كان القضاة يحصلون على امتيازات، ليست مالية فقط، بل إدارية تخصّهم دون غيرهم، كتمديد سن التقاعد أكثر من مرة حتى وصل إلى 70 عاماً في القانون الحالي.

ومع حدوث الثورة عام 2011، استفاد القضاة مؤقتاً، عبر صيغ قوانين منحتهم الاستقلالية أكثر، ومن بينها أحقية جمعيتهم العمومية في اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وحصانة «المحكمة الدستورية»، وأحقية جمعيتها العمومية في اختيار رئيسها من بين الأعضاء، بعدما كان يحقّ لها اختيار رئيسها من أي هيئة قضائية أخرى، كما كان يفعل مبارك.
لكن هذا الاستقلال الجوهري أطيح بموجب تعديلات أقرّها مجلس النواب، قلّصت صلاحيات القضاة في اختيار رئيسهم أو اتباع مبدأ الأقدمية المطلقة في الاختيار، إذ صار يحقّ لرئيس الجمهورية اختيار رؤساء الهيئات القضائية من بين ثلاثة أسماء تُرشَّح له بدلاً من اسم واحد. صحيح أن هذه النقطة مثار جدل في الهيئات القضائية المختلفة، ويشوبها خلل دستوري واضح جراء تعارضها مع استقلال السلطة القضائية المنصوص عليه في دستور 2014، لكن «الدستورية» لم تستطع الفصل سريعاً في الأمر لأسباب سياسية بحتة، على رغم تضرّرها من القرار.

دعم مبكّر
أما بعد تولي عبد الفتاح السيسي الحكم، فلم تبقَ خسارة القضاة محصورة في فقدان الامتيازات التي حصلوا عليها من الثورة، بل امتدّت لتصل الى الامتيازات المالية التي تقلّصت ضمن خطة الدولة في ترشيد النفقات وتخفيض الرواتب، فضلاً عن انتزاع مميزات أخرى كان يفترض أن يحصلوا عليها في ما يتعلّق بالبدل والمكافآت، وهو ما دفع «نادي القضاة» أخيراً إلى تقديم شكوى إلى «مجلس القضاء الأعلى» من أجل تحسين الظروف المالية لهم بما يتناسب مع غلاء الأسعار، إذ كانوا يحصلون دوماً على مكافآت تفوق بكثير معدلات الغلاء.
مع ذلك، حصل السيسي على دعم القضاة مبكراً، ليس من رئيس ناديهم، أحمد الزند، فحسب (إبّان تولّي محمد مرسي الحكم)، بل في دعوتهم المستمرة لدعم السيسي بوصفه رمزاً للدولة الوطنية التي تعيد إلى القضاة هيبتهم، بعدما انتقص منها مرسي خلال سنة حكمه الوحيدة، أو انتقاده مشاركتهم في عمليات التزوير الانتخابية إبّان عهد مبارك. لكن الدعم الذي قدّمه القضاة والزند شخصياً تغاضى عنه «الجنرال»، لدرجة أن الزند نفسه أقيل من منصب وزير العدل على خلفية تصريحه بأن «نجل البوّاب لا يمكن أن يعمل في القضاء».

حتى مَن دعم السيسي من القضاة لم ينله رضا الرئيس


طوال السنوات الماضية، تساهل القضاة كثيراً مع إجراءات الدولة، فكانت قراراتهم انتقامية من جماعة «الإخوان المسلمون»، وأحكامهم بعيدة عن العدالة ضدّ أي شخص تقدّمه وزارة الداخلية إلى المحاكمة إلا قلة قليلة. وعلى رغم غياب أدلة في قضايا كثيرة، أصدر القضاة أحكاماً مشدّدة بحق مئات المتهمين، كما تغاضوا عن الانتهاكات التي تعرّض لها هؤلاء في حجز الشرطة أو السجون رغم تأثيرها ظاهرياً فيهم، كما حدث مع المصور محمد شوكان.
أيضاً، توالى رفض القضاة على المنصة أو في مراحل التحقيق إخلاء سبيل المتهمين بقرارات مؤقتة، رغم أنه لا مخاطر حقيقية منهم، كما كانوا يرفضون وضعهم قيد الإقامة الجبرية. وبقي القضاة يتعنّتون بوضوح مع غالبية المتهمين، وكذلك فعل محقّقو النيابة الذين ظلّوا يحتجزون المتهمين مدداً طويلة من دون اتهامات واضحة، ليقضي منهم طلبة وشباب شهوراً وربما سنوات قيد «الحبس الاحتياطي»، مع أن رموز نظام مبارك خرجوا تدريجياً من السجون وتم التصالح مع غالبيتهم في مختلف القضايا المالية، أو حصلوا على براءات لـ«ضعف الأدلة».

إهانة «الشيوخ»
في جانب آخر، أهان القضاة شيوخهم الذين انتموا إلى الثورة وشجّعوها. إهانة ليست في الإقصاء من المناصب القيادية والإبعاد عن تولّي أي قضايا مهمة فقط، بل التصيّد لهم ولأبنائهم في السلك القضائي. وكان من ذلك عقوبة الحبس لبعضهم مثل المستشار محمود الخضيري، وهو نائب رئيس «محكمة النقض» السابق ــــ أعلى جهة قضائية ــــ وإقصاء ابنة المستشار هشام جنينة بسبب منشور كتبته على «فايسبوك»، كما رفضوا عودة وزير العدل في حكومة «الإخوان» أحمد سليمان إلى المنصة، في حين قبلوا عودة الوزير في الحكومة نفسها، المستشار حاتم بجاتو، إلى «الدستورية»، لأنه دعم السيسي منذ البداية واستقال من منصبه قبل إعلان إطاحة مرسي.
وحالياً، لا يتوقف القضاة عن تأييد السيسي مطلقاً، وحتى اعتراضهم على تعديلات قانون رؤساء الهيئات القضائية كان محدوداً خوفاً من غضب «الجنرال» الذي حصل على كل ما يريده منهم حتى الآن، بينما ترك لهم منظوماتهم الداخلية في اختيار خلفائهم لتقتصر على أبنائهم وأبناء عمومتهم، لكن مدعومة بتحرّيات أمنية راسخة. وحتى النائب العام الذي عيّنه الرئيس، بات ينفذ جميع التعليمات الحكومية مباشرة، في خطوة جعلت قرارات النيابة العامة في مختلف القضايا متوقعة، ومستندة إلى المواقف الحكومية، وهو ما ظهر في قضايا التنظيمات المتهمة بالإرهاب والأشخاص المتهمين بالانتماء إليها.