منذ تحدّث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مشروع «المنطقة الآمنة» على الحدود السورية ــ التركية شرق الفرات، لم ترشح أي تفاصيل دقيقة عن آليات إنشائها أو إدارتها المفترضة، والتي يجري نقاشها بين الأطراف المعنيين بمصير تلك المنطقة. وبعد «قمة موسكو» بين الرئيسين التركي والروسي، تكثّفت لقاءات المسؤولين الأتراك المتصلة بالشأن السوري، وطغى على حديثهم التركيز على «اتفاقية أضنة». ففي موازاة زيارة نائب وزير الخارجية التركي سادات أونال لموسكو، وصل أمس وفد أميركي رفيع المستوى إلى العاصمة التركية، يضمّ على رأسه كلاً من مبعوث وزير الخارجية الأميركي جايمس جيفري، ورئيس هيئة الأركان المشتركة جوزف دانفورد. والتقى الوفد كلاً من وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، وقائد الجيش يشار غولر. هذا النشاط تزامن مع تأكيد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن بلاده تنتظر «الوفاء بوعد تأسيس منطقة آمنة وعازلة... في غضون بضعة أشهر»، معتبراً أن «حق التدخل» في المنطقة الحدودية «مضمون عبر اتفاق أضنة».

النقاش الأميركي ــ التركي حول «المنطقة الآمنة» يفترض أن يحلّ عقدة إدارتها، علماً بأن أردوغان يصرّ على ضرورة وقوعها تحت نفوذ بلاده، فيما تطلب «قوات سوريا الديموقراطية» وجود إدارة «دولية أو أممية». وضمن هذا التوجه، زار أمس وفد من «الإدارة الذاتية»، برئاسة «رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديموقراطية» إلهام أحمد، العاصمة الأميركية واشنطن.وبينما تتابع واشنطن لعبة إمساك العصا من الوسط بين شريكيها، تعمل دمشق على إعداد الأرضية اللازمة لتحدّيات شرق الفرات المحتملة، وسحب ذرائع الخطط التركية والأميركية، وسط رفض بعض أطراف «مجلس سوريا الديموقراطية» دفع سياق المحادثات مع الحكومة السورية. إحدى أبرز الخطوات في سياق التوجه الحكومي هذا، كان اجتماع «القبائل والعشائر السورية والنخب الوطنية» الذي عُقد أمس في بلدة أثريا، في منطقة تتوسّط محافظات الرقة وحلب وحماة. الملتقى الذي جمع آلافاً من وجهاء وأبناء العشائر وشخصيات عامة، أُريد له أن يكون فاتحة لـ«حوار سوريّ بسقف مرتفع» مع القوى المحلية الوازنة في المنطقة الشرقية، وسواها، وفق ما تقول مصادر حضرت اللقاء.

منعت «قسد» وفداً عشائرياً من عبور جسر الطبقة


وفي الوقت الذي يصبّ فيه هذا اللقاء في إطار الضغط على قوى «الإدارة الذاتية» خلال المحادثات، بدا لافتاً منع «قسد» أكثر من 300 شخصية عشائرية من الحسكة ودير الزور والرقة من الوصول إلى الاجتماع. وفي حديث إلى «الأخبار»، قال رئيس «مجلس القبائل والعشائر السورية» في محافظة الحسكة، الشيخ ميزر المسلط، إن «قيادة قسد منعتنا من الوصول إلى الملتقى بعد تطمينات من قبلها... وتمّت عرقلتنا في أكثر من حاجز يتبع لها، قبل أن يطلبوا منّا العودة عند حاجز جسر الطبقة». وشرح المسلط أن «الهدف من الحضور كان رفض المنطقة الآمنة والتنديد بالاحتلال التركي والطلب من الجيش حمايتنا من التهديدات التركية»، مطالباً «قيادة الوحدات الكردية باتخاذ إجراءات تعيد بناء الثقة مع الحكومة السورية، وتضمن دخول الجيش إلى كامل المناطق الشرقية». بدوره، أكد أحد منظمي الملتقى، وشيخ قبيلة البكارة في سوريا، الشيخ فواز البشير، أن «الهدف كان توحيد العشائر والوقوف ضد أي اعتداء خارجي ورفض التقسيم». وطالب البشير القوى المسيطرة شرق الفرات بـ«فتح قنوات حوار تحت سقف الوطن».
وعلمت «الأخبار» أن تواصلاً جرى بين منظمي الملتقى وشخصيات من «قسد»، تم خلاله الاتفاق على حضور وفد لتمثيل «قسد» في الملتقى، على أن يكون هناك موقف تضامني مع العشائر ضدّ التهديدات التركية، إلا أن الوفد غاب لأسباب مجهولة. وأشار مدير «مؤسسة القدس الدولية»، خلف المفتاح، الذي حضر الملتقى، إلى أن «اللقاء ضمّ شريحة واسعة، بينها عدد من أبناء العشائر الذين حملوا مطالب إلى الجانب الحكومي. وهو يؤسس لحوار سوري ـــ سوري داخلي». وأشارت معلومات إلى أن هناك توجهاً لدى الجانب الحكومي «لتلبية المطالب التي تخرج عن هذا الملتقى الشعبي، وإن كانت عالية السقف، على خلاف ما يطرح من الخارج». وفي السياق، طالب عددٌ من الحاضرين بتخفيف بعض الإجراءات الأمنية التي تطاول بعض أقارب المطلوبين، بما يساعد على عودة أعداد من السوريين في الخارج، فيما حضر اللقاء نحو 60 شخصاً أفرجت السلطات عنهم أخيراً، كرسالة دعم للملتقى.