فيما يُثبت «تجمع المهنيين السودانيين» قوته يوماً بعد يوم، مع تلبية المحتجين الدعوات التي يطلقها أسبوعاً تلو آخر في جميع أنحاء البلاد، بدأ الرئيس عمر البشير يرى في هذا التشكيل الخطر الأكبر في الاحتجاجات المستمرة منذ أكثر من شهر ونصف شهر، لكونه لا يمثل حراكاً شعبياً فحسب، أو أطباء ومعلمين ومهندسين، بل قوى معارضة كبرى كـ«نداء السودان»، و«الإجماع الوطني»، و«التجمع الاتحادي» المعارض. وفيما يصعب اعتقال قيادات «التجمع» أو أعضائه لوجودهم على مواقع التواصل الاجتماعي حصراً، يحاول البشير استغلال هذه النقطة لتهشيمهم، مثلما فعل أمس أمام أنصاره في مدينة كسلا، شرق البلاد، حيث رأى أن تغيير الحكومة والرئيس «لا يكون عبر واتسآب وفيسبوك»، بل بصناديق الاقتراع والانتخابات.

هذا الموقف سبقته بيوم رسالة من قيادة الجيش السوداني، جاء فيها أن البشير «لن يفرّط» في قيادة البلاد أو يسلمها لـ«شذاذ الآفاق»، فيما يرى مراقبون أن الجيش الذي أدى دوراً حاسماً في الانتفاضتين السابقتين اللتين اندلعتا عامَي 1964 و1985، وأدتا إلى إطاحة نظامَي الرئيسين إبراهيم عبود وجعفر نميري، يمكنه أن يحسم الموقف في حال وقوع اختلاف بين ضباطه، كما سبق أن حصل في الانتفاضة الأخيرة. وفي الاحتجاجات الحالية لوحظ وجود ضباط جيش وشرطة وسط المتظاهرين مرات عدة، في وقت حال في أفراد من الجيش بين المتظاهرين وأفراد من الأمن، في حوادث كان آخرها اشتباكٌ قُتل فيه عنصر من جهاز الأمن قبل أسبوع، في بورتسودان، على يد الجيش.
ردّ «تجمع المهنيين» لم يأتِ من صفحات التواصل الاجتماعي، بل من قِبَل المحتجين على الأرض، الذين لبّوا، عقب ساعات من خطاب البشير، أمس، دعوة كان قد وجّهها «التجمع» الأسبوع الماضي، ضمن برنامج هذا الأسبوع للتظاهر. وفي ما سُمّي «موكب الزحف الأكبر» نحو القصر الرئاسي، تجددت الاحتجاجات المنددة بتردي الأوضاع الاقتصادية، والمطالبة بتنحي الرئيس عمر البشير، في خمس مدن سودانية كبيرة، بينها العاصمة الخرطوم. في الخرطوم، خرج المئات في أحياء بري شرقي العاصمة، وجبرة والديم في مدينة الخرطوم، وشمبات والحلفايا والمزاد في مدينة بحري (شمال)، وأحياء الشهداء والعباسية والموردة في مدينة أم درمان غربي الخرطوم. وفي بري، أشعل المتظاهرون الإطارات لإغلاق الشوارع أمام القوات الأمنية، لكن في حيّ وشمبات تمكنت القوات من الدخول وأطلقت الغاز المسيل للدموع على المحتجين، إلا أن وسط الخرطوم حيث يقع القصر الرئاسي لم يشهد أي تظاهرة. ونشر «تجمع المهنيين السودانيين»، عبر صفحته على «فيسبوك»، صوراً لانطلاق تظاهرات للمرة الأولى في قرية أم طلحة في ولاية الجزيرة وسط البلاد، ومناطق حجر العسل في ولاية نهر النيل، التي تُعَدّ من أكبر المناطق الداعمة للبشير، فيما تداول ناشطون على مواقع التواصل صوراً لانطلاق مسيرة في مناطق حجر العسل، ومدن القضارف (شرق) وسنار (جنوب شرق) وكرمة (شمال)، وقرى أم طلحة وفداسي والعقدة والعزازة والشيبراب وبيكة (وسط).

مدير المخابرات: خمسة جيوش تنتظر الساعة الصفر لتتقدم نحو الخرطوم!


وإلى جانب «التجمع» الذي يضم مدرّسين، دخلت جامعة الخرطوم، الأقدم في البلاد، والتي تصدّرت تظاهرات ضد الحكومة في السابق، على خط الاحتجاج الحالي. وتظاهر نحو 300 أستاذ ومُحاضر أول من أمس داخل حرم الجامعة، وفق ما أكد متحدث باسمهم. وأشار المتحدّث باسم مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم ومحاضريها، ممدوح محمد الحسن، لوكالة «فرانس برس»، إلى أن 531 أستاذاً ومحاضراً في جامعة الخرطوم وقّعوا على «مبادرة جامعة الخرطوم» التي تتضمن مجموعة مطالب، موضحاً أن من «أهم مطالبها قيام حكومة انتقالية» في البلاد.
توازياً مع ذلك، عادت السلطات إلى «نظرية المؤامرة» التي طالما تحدث عنها البشير في مناسبات عدة أمام أنصاره، تارة بالقول إن التظاهرات تحركها «سفارات وجهات خارجية»، وطوراً بالحديث عن «مندسين ومخربين» من عناصر في «الحزب الشيوعي» وحركة «جيش تحرير السودان». لكن مدير «الجهاز الوطني للأمن والمخابرات»، صلاح عبد الله قوش، ذهب بعيداً أول من أمس، بالقول إن «هناك خمسة جيوش تنتظر الساعة الصفر لتتقدم نحو الخرطوم، بعد إشغالها بالفوضى، وأعمال السلب والقتل، وذلك حتى لا تجد من يقاومها». وفي كلمة ألقاها خلال حفل تخريج الدفعة 42 من ضباط الأمن السوداني، اتهم قوش «اليسار والحركات المتمردة» بالسعي إلى «تسلّم السلطة لبدء العهد الذي انتظروه طويلاً»، مشيراً إلى «ارتباط مصالح بعض القوى السياسية (في السودان) بالدوائر الخارجية، ومحاولة الهجرة اليومية إلى سفاراتها (داخل السودان)». وأضاف مدير الجهاز، الذي أطلق أول من أمس أوامر بالإفراج عن جميع المعتقلين منذ بدء حركة الاحتجاج: «(إننا) نرصد كل ذلك، ومحاولة بنائهم أرضية للخنوع للقوى الخارجية والتبعية لها، ما يدفع باتجاه سلب القرار الوطني وإرادته الحرة»، معتبراً أن دخول من وصفها بـ «القوى الشريرة» إلى الاحتجاجات، و«محاولة توظيفها»، فتح الباب على «التخريب والفوضى وما تبع ذلك من تداعيات مؤلمة». وعلى المنوال نفسه، شدد وزير الدفاع، عوض بن عوف، في بيان أمس، على أن «القوات المسلحة تعي تماماً كلّ المخطّطات والسناريوهات التي أُعدَّت لاستغلال الظروف الاقتصادية الراهنة ضدّ أمن البلاد»، فيما أكد رئيس الأركان المشتركة، كمال عبد المعروف الماحي، أن «القوات المسلحة لن تسمح بسقوط الدولة السودانية أو انزلاقها نحو المجهول».