الجزائر | لم يتوقف سفيرا الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، باعتبارهما يمثلان قوتين كبيرتين لهما مصالح متعددة في الجزائر، عن زيارة مقارّ الأحزاب السياسية والتباحث مع قادتها في موضوع الانتخابات الرئاسية المقبلة. ولم تقتصر اللقاءات على هذين السفيرين، بل تعدّتها إلى سفراء دول أخرى، على غرار إسبانيا والمملكة المتحدة وحتى كوبا، فيما فضّل السفير الفرنسي إجراء لقاءات مع جهات رسمية، بسبب الحساسية الموجودة تجاه فرنسا في الجزائر، والمخاوف من تدخلها في توجيه الانتخابات الرئاسية.

ويحظى المترشح السابق للرئاسيات (2004-2014)، علي بن فليس، بحصة الأسد من اللقاءات، حيث يستقبل أسبوعياً سفراء دول كبيرة، وينشر بعض تفاصيل ما يدور من حوارات في هذه اللقاءات المغلقة. ويُعَدّ بن فليس، الذي شغل منصب رئيس الحكومة الجزائرية (2002 - 2003)، من أبرز شخصيات المعارضة الجزائرية، ومساهماً في إنشاء تكتلات حزبية وقفت في وجه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وطالبت بتطبيق المادة الدستورية التي تعزله من مهماته بسبب أوضاعه الصحية. كذلك إن إعلانه الاستعداد للانتخابات الرئاسية جعله شخصية مطلوبة لدى البعثات الأجنبية، لمحاولة استقراء تطورات الأوضاع في المستقبل القريب.
وقدّم علي بن فليس، في آخر لقاء جمعه بالسفير الأوروبي جون أوروك، قراءة متشائمة للوضع العام في البلاد. وقال إن «ضبابية كبيرة لا تزال تحيط بشروط تنظيم هذه الانتخابات»، مشيراً إلى أن «هذا الوضع يجعل الانتخابات مفتوحة على كل الاحتمالات، فكما يمكنها أن تكون طريقاً لحل الأزمة، قد تؤزمها أكثر وتدفع بالبلاد نحو المجهول». ورأى أن الجزائر تعيش حالة انسداد سياسي وأزمة اقتصادية ومالية حادة، وظرفاً اجتماعياً صعباً. واقترح، إزاء ذلك، إجراء «حوار سياسي جامع من أجل خروج سلمي من الأزمة، وتنظيم انتخابات نزيهة تحلّ مسألة الشرعية، وجمع الجزائريين حول مشروع بناء دولة القانون».
كذلك، يتوافد السفراء الأوروبيون على مقر حركة «مجتمع السلم»، وهي الحزب الإسلامي الذي ينشط في المعارضة، ويُعَدّ القوة السياسية الثالثة في البلاد. وينشر رئيس الحركة، عبد الرزاق مقري، باستمرار، أنباء لقاءاته مع كل السفراء، وذلك لتجنّب التأويلات التي ترافق في العادة مثل هذه الاستقبالات. ويحاول السفراء، الذي يزورون حركة «مجتمع السلم»، فهم تصور ممثلي التيار الإسلامي للمشهد السياسي العام في البلاد، وحظوظهم في الفوز بالرئاسيات، ويناقشون معهم حتى قضايا فكرية تتعلق بظاهرة الإسلام السياسي في الجزائر والعالم العربي عموماً.

يكون سفراء أوروبا صورة مقربة لاتخاذ موقف من المشاركة ببعثة لمراقبة الانتخابات


وأوضح عضو المكتب الوطني التنفيذي لحركة «مجتمع السلم»، ناصر حمدادوش، أن هذا الحراك الدبلوماسي مرتبط بالرئاسيات، وذلك لاستطلاع التوجهات العامة ومحاولة إزالة الغموض الذي يكتنف الاستحقاق القادم، ومعرفة أهم السيناريوات المحتملة فيه. وفي حديث إلى «الأخبار»، أشار إلى أن أغلب هذه اللقاءات تجري بطلب من هؤلاء السفراء، مدافعاً في ردّه على الانتقادات الموجّهة إليها بأن «الحوار الذي يدور بيننا لا يتعدى المسائل العامة ومواقفنا المعلنة في الصحافة، ونحن لا نسمح للسفراء بالتدخل في شؤون البلد الداخلية، بل إننا في كثير من الحالات نحمّلهم جزءاً من المسؤولية باعتبارهم يدّعون الحرية والديموقراطية، ويدعمون في الوقت ذاته أنظمة غير ديموقراطية في العالم العربي».
وبحسب مصادر سياسية تحدثت إلى «الأخبار»، فإن من بين أكثر الأمور الغامضة التي حاول السفراء في الفترة الأخيرة التقصّي عنها، موقف الرئيس بوتفليقة من الرئاسيات المقبلة، وما إن كان سيترشح لها أو سيعلن انسحابه من المشهد بسبب ظروفه الصحية. ودفع هذا الواقع السفراء إلى إجراء العديد من الزيارات لمقر حزب «تجمع أمل الجزائر» المحسوب على الموالاة، خاصة بعدما أطلق مبادرة سياسية فُسِّرَت على أنها دعوة إلى التمديد للرئيس بوتفليقة. والتقى رئيس حزب «تجمع أمل الجزائر»، عمار غول، في الفترة الأخيرة، سفراء أميركا والاتحاد الأوروبي وإسبانيا وحتى كوبا، وكان حزبه في قلب الحراك السياسي، على الرغم من أنه لا يصل إلى أوزان أحزاب الموالاة الأخرى المساندة للرئيس.
ووفق قراءات سياسية، فإن تكثيف سفير الاتحاد الأوروبي، تحديداً، لقاءاته مع الأحزاب في هذه الفترة، يعود إلى الرغبة في تكوين صورة مقربة عن الرئاسيات المقبلة، من أجل اتخاذ موقف من المشاركة ببعثة أوروبية لمراقبة الانتخابات من عدمها، في حال تلقي طلب رسمي جزائري بهذا الشأن. وكان الاتحاد الأوروبي قد امتنع عن إرسال بعثة مراقبة في الرئاسيات الماضية، على عكس ما قام به في الانتخابات التشريعية لسنة 2012، واكتفى بإيفاد مراقبين فقط، وهو ما فُهم على أنه رفض للتورط في تزكية انتخابات مشكوك في صدقيتها. وسبق لديبلوماسيين أوروبيين أن تحدثوا إلى الصحافة الجزائرية عن مخاوفهم من انتقال الحكم في الجزائر، وتأثير ذلك في استقرار البلاد، وتالياً في القارة الأوروبية، نظراً إلى حجم الجزائر وقربها الجغرافي من القارة العجوز.