على امتداد فترة حكمه، لم يهنأ الرئيس التشادي، إدريس ديبي، باستقرار وإجماع وطنيين حول شخصه. لكن فرنسا، التي دعمته ليصل إلى قيادة البلاد عام 1990، لم تدّخر جهداً في الدفاع عن نظامه الذي كان أكثر من مرة قاب قوسين من الانهيار. منذ إعلان استقلال تشاد عام 1960، لم تغادر القوات الفرنسية أراضي البلاد قطّ، حيث حافظت دائماً على وجود عسكري معزّر، أدى أدواراً في الحرب مع ليبيا (1978 - 1987)، وفي الصراعات الداخلية. في نيسان/ أبريل 2006، هاجم متمردون من «الجبهة الموحدة للتغيير الديموقراطي» العاصمة التشادية نجامينا. باغتت العملية القوات الحكومية، حتى كادت تسقط المدينة لولا تدخل القوات الفرنسية، وتكرر الأمر عام 2008. حينها، نفت فرنسا تدخلها عسكرياً، وقالت إن دورها اقتصر على الرصد والدعم اللوجستي في إطار اتفاقية التعاون.

وعلى عكس هذا التحفظ، لم تتوانَ قيادة أركان الجيش الفرنسي، أمس، عن إعلان مسؤوليتها عن قصف قوات من المعارضة المسلحة شمال البلاد، باستخدام إمكانات عملية «برخان»، المنتشرة في عدد من دول منطقة الساحل الإفريقي، التي شكلتها فرنسا في الأصل لمقاومة تنظيم «القاعدة» بعد سيطرته على أجزاء واسعة من شمال مالي. في بيانه حول العملية، قال الجيش الفرنسي إن رتلاً مكوناً من أربعين سيارة مسلحة، تتبع «اتحاد قوى المقاومة»، قام «باختراق عميق للأراضي التشادية»، وقد تصدت له في البداية طائرات من الجيش المحلي، وحاولت تفريقه، لكن ذلك لم ينجح، ما أدى إلى تدخل طائرات «ميراج داسو 2000»، لتتولى توجيه أربع ضربات دقيقة سمحت بـ«عرقلة هذا التقدم العدائي وتفريق الرتل». لم يكتف البيان بذلك، بل أورد مزيداً من التفاصيل، أهمها أن الرتل، الذي وصفه بأنه يتبع جماعة «تحتمي في ليبيا»، دخل الأراضي التشادية قبل 48 ساعة على الأقل، أي يوم الجمعة الماضي، لأن الاستهداف حصل مساء يوم الأحد.
وبالعودة إلى المعارك الجارية في جنوب ليبيا، في إطار حملة أطلقها الجيش التابع للمشير خليفة حفتر للسيطرة على المنطقة الحدودية، يبدو لافتاً أن بلدة غداوة شهدت مواجهات فجر يوم الجمعة، قادها من الجهة المهاجِمة محمد حكيمي (الأخبار، عدد 3678)، وقد تكون السبب وراء تراجع هذا الأخير داخل الأراضي التشادية. ولحكيمي ارتباط برئيس «تجمع القوى من أجل الديموقراطية والتنمية»، تيمان أرديمي، الذي يمثل أحد الفصائل المشاركة في «تحالف قوى المقاومة» المستهدَف يوم الأحد. ويقيم أرديمي في قطر منذ عام 2009، وذلك بعدما غادر السودان الذي تصالح مع النظام التشادي. ويمثل الرجل ورقة قطرية في صراع النفوذ في الساحل الإفريقي، بينما تدعم الإمارات نظام إدريس ديبي، مثلما تدعم خليفة حفتر.
ثمة ثالوث فاعل في المنطقة تمثله فرنسا والإمارات وحفتر (أو سلطة شرق ليبيا بصفة أعمّ)، يقابله تحالف آخر مشكل من قطر وبعض قوات المعارضة التشادية وفاعلين في ليبيا، أهمهم خليط من قوات تتبع إبراهيم الجضران و«مجلس شورى ثوار بنغازي». قد لا يبدو الأمر واضحاً للوهلة الأولى، لكن يمكن عملياً ربط نشاط هؤلاء الفاعلين بما حصل أخيراً. يحظى أرديمي بحماية قطر، وهو شارك بقواته مع الجضران و«شورى بنغازي» في الهجوم على قاعدة «تمنهنت» جنوب ليبيا منتصف العام الماضي، كذلك تشاركوا أيضاً الهجوم على منطقة الهلال النفطي وسط البلاد في الفترة نفسها، وجميعهم يتخذون من الجنوب نقطة عمل وانطلاق بدعم إعلامي واسع من الإعلام القطري. في مواجهة ذلك، تدعم فرنسا والإمارات جيش حفتر، ولهما مصالح في الساحل الإفريقي أيضاً، ما يجعل عمليتي السيطرة على جنوب ليبيا والقصف في شمال تشاد مرتبطتين سياسياً، إضافة إلى ترابطهما عسكرياً. يرتبط القصف الفرنسي في عمقه بلائحة طويلة من المصالح والتقاطعات والصراعات، تشمل مطامع اقتصادية في النفط والذهب واليورانيوم وغيرها، إضافة إلى رغبة سياسية في تنصيب أو الحفاظ على حلفاء، وأخيراً تحصيل نفوذ جيو ـــ استراتيجي في منطقة مفصلية من العالم.