قبل 12 عاماً، في تشرين الأول 2007، نحت الزعيمان الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي، تحالفاً استراتيجياً عميقاً بين خصمَين لدودين للولايات المتحدة. بوتين المصمّم على صعود روسي في العالم، اختصر اللقاء بالقول إنه مساحة لنقاش خمسين عاماً من القضايا والهموم المصيرية المشتركة ولتعميق علاقة راسخة بين البلدين لا يقطعها متغيّر.

التقى بوتين وخامنئي ثلاث مرات بعدها، أبرزها في تشرين الثاني 2015، بعد شهر من التدخل العسكري الروسي إلى جانب قوات الجيش السوري وحلفائه في حزب الله والمستشارين الإيرانيين، ضد مئات الآلاف من الإرهابيين المدعومين من حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة ودول الخليج. ولعل الهديّة الرمزية التي حملها بوتين إلى خامنئي (أقدم نسخة خطيّة للقرآن في روسيا)، ترسم أبعاداً تاريخية فلسفية ومصلحية بين البلدين، ونفسية ــ سياسية ذات بُعد أخلاقي، مرتبطة بنهج الزعيمَين تجاه قضايا بلديهما في مواجهة الاستبداد العالمي الأميركي، والسعي للعب أدوارٍ إقليمية وعالمية، على عكس الأحادية الأميركية، المتحرّرة من أي وعاء أخلاقي وتاريخي.
مثّلت سوريا درّة المواجهة بين نهجين عالميين، فاصطفّ الإيرانيون والروس تلقائياً إلى جانب الرئيس بشّار الأسد، ليس دفاعاً عن سوريا فحسب، إنّما بالقدر ذاته دفاعاً عن طهران وموسكو. أحد ضبّاط الجيش الروسي العاملين في سوريا، يقول لـ«الأخبار» إن ما حصل في سوريا، كان إنذاراً لروسيا وحلفائها، «لو سقطت دمشق بيد إرهابيي حلف الناتو، لتهاوت بعدها طهران ودول البلقان وأوروبا الشرقية كأحجار الدومينو، وصولاً إلى موسكو».

موسكو تلتزم حماية الدولة السورية: تفعيل منظومة أس ــ 300 بعد شهر


اليوم، مع اقتراب الحرب السورية من نهايتها، بانتصار واضح للأسد وحلفائه، يشتدّ الرهان الغربي - الإسرائيلي على صراع روسي - إيراني على الأرض السورية، لتعويض هزيمة سنوات من الرهان على إسقاط الدولة السورية ودعم الجماعات الإرهابية بالمال والسلاح والرجال والإعلام.
في طهران وموسكو، يسخر المعنيّون بملفات التعاون بين البلدين من «الرهان على سراب». قبل أشهر، وخلال جلسة لخامنئي مع ضباط من الحرس الثوري الإيراني، وجّه مرشد الثورة الإسلامية ضباطه إلى «إزالة كل الشوائب في العمل المشترك مع القوات الروسية في سوريا»، كما يؤكّد لـ«الأخبار» مصدر إيراني مطّلع على أجواء الجلسة أن كلام قائد الثورة كان بمثابة إشعار للعاملين في سوريا، للتنبّه من النيات الغربية والإسرائيلية والضخّ الإعلامي الكثيف، ودعوة لرفع مستوى التعاون التكتي المشترك انسجاماً مع التحالف الاستراتيجي.
يؤكّد دبلوماسي روسي لـ«الأخبار» أن التعاون الروسي - الإيراني يشمل مروحة واسعة من التعاون الاقتصادي ومواجهة العقوبات الأميركية، إضافة إلى مواجهة سياسة واشنطن في ملفات أفغانستان وأرمينيا وغالبية بقع أوراسيا. وتسعى موسكو إلى تخفيف التوتّر بين إيران والسعودية، و«محاولة العمل على أرضية مشتركة بين البلدين لاستعادة الاستقرار في الخليج والمنطقة ولجم الصراع الإيراني - السعودي». وفيما يتّهم المصدر الأميركيين بتأجيج الصراع بين الطرفين، يؤكّد أن زيارة مدير الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين إلى السعودية الأسبوع الماضي ولقاءه ولي العهد محمد بن سلمان «تتمحور حول ثلاثة عناوين: سوريا واليمن والعلاقة مع إيران»، مشيراً إلى أن «روسيا تعمل على فتح قناة اتصال غير علنية بين الإيرانيين والسعوديين».
منذ اللحظة الأولى للتدخل الروسي في سوريا، حدّد الروس أهدافهم التكتية والاستراتيجية: إلحاق الهزيمة بالإرهابيين، دعم الدولة السورية لاستعادة عافيتها وسيطرتها على كامل الجغرافيا السورية، إخراج كل القوات الأجنبية التي تدخلت من دون تنسيق مع الحكومة السورية، تحقيق المصالحة ودعم العملية السياسية بما ينتج حلاً سورياً ــ سورياً. وتلك الأهداف، تتقاطع تقاطعاً دقيقاً، مع الأهداف الإيرانية خلف دعم الجيش السوري والأسد. فلا روسيا أعلنت نفسها جزءاً من محور المقاومة الممتد من طهران إلى بيروت، الذي تمثّل دمشق قلبه، ولا إيران أعلنت نيّتها تدمير إسرائيل انطلاقاً من سوريا. وما التسوية التي رعتها موسكو في جنوب سوريا، والتي نتج عنها انهيار كامل للجماعات الإرهابية في الجنوب أمام تقدم القوات السورية، والتراجع الإسرائيلي ـ الأردني عن دعم المسلحين، في مقابل إعلان انسحاب إيراني من الجنوب السوري على لسان بوتين وأكثر من مسؤول إيراني، سوى نموذج عن عمق التنسيق الاستراتيجي بين الإيرانيين والروس لضمان استعادة سوريا موقعها ودورها.
ويبدو تعليق رئيس معهد دراسات «الأمن القومي» في جامعة تل أبيب، اللواء احتياط عاموس يالدين قبل أيام، التعبير الأوضح عن مدى الشعور الإسرائيلي بعمق التحالف الروسي ـ الإيراني، إذ قال في خطاب له، «للأسف، الروس والإيرانيون لديهم مصالح مشتركة أكثر وأقوى وأوضح من المصالح المتعارضة، وهي إزالة الولايات المتحدة من سوريا ودعم الأسد في السلطة»، مشيراً إلى أن «التنسيق (الإسرائيلي) مع الروس بخصوص سوريا ممتاز على المستوى التكتيكي، لكنّه معيب من الناحية الاستراتيجية». فعلى الرغم من أن الاهتزاز الكبير الذي أصاب التنسيق الروسي ــ الإسرائيلي العسكري واتفاقية «عدم التصادم» بين الجيشين، على خلفية سقوط الطائرة الروسية فوق اللاذقية قبل أشهر، جرى تجاوزه، إلّا أن الذهاب الروسي بعيداً في تسليم سوريا منظومات أس - 300، وتطوير الدفاعات الجويّة السورية وإنشاء شبكة مترابطة من أنظمة الحماية والإنذار المبكر وتدريب أطقم الدفاعات الجوية السورية على تحقيق أفضل النتائج، يشكّل تهديداً عسكرياً استراتيجياً على التفوّق الجوي الإسرائيلي أمام سوريا ولبنان، بعد انهيار سلاح المدرعات الإسرائيلي - الغربي أمام صواريخ الكورنيت الروسية، في حرب تموز 2006.

خامنئي لضباط الحرس: أزيلوا كلّ الشوائب في العمل مع الروس في سوريا


ولا تضطلع روسيا، مع التزامها العلني بـ«أمن إسرائيل»، بمهمة الدفاع عن الوجود العسكري الإيراني في سوريا، الذي تعمل ماكينة الدعاية الإسرائيلية على تعظيمه، فيما يلتزم الإيرانيون، في الأدبيات وعلى أرض الواقع، حصره بالمهام الاستشارية. بل تذهب بعيداً، إلى تعزيز الدور السوري، العسكري والسياسي لاستعادة سوريا موقعها الإقليمي، بما يردع إسرائيل عن خرق السيادة السورية ويعيد اللعبة إلى ما قبل آذار 2011.
وفيما تؤكّد مصادر عسكرية روسية لـ«الأخبار»، أن زيارة الوفد الروسي إلى كيان العدو قبل أيام، على رأسه المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون سوريا ألكسندر لافرانتيف ونائب وزير الخارجية سيرجي فيرشينين، «حملت احتجاجاً روسياً على استمرار إسرائيل بعرقلة الاستقرار في سوريا»، مع الإشارة هنا إلى إعلان موسكو رسمياً أنه تم إبلاغ جميع الأطراف بما في ذلك إسرائيل بأن سوريا ستفعّل عمل منظومة أس -300 في آذار المقبل، وهو ما ينذر بتصعيد عسكري في حال استمرار إسرائيل باستهداف سوريا.