دمشق | لأن الجانب الروسيّ غير معنيّ بصراع المنطقة التاريخي مع إسرائيل، بل يفضّل صيغة اتفاقات السلام (الاستقرار)، كانت العودة إلى «اتفاقية فك الاشتباك ــــ 1974» أحد أفضل الحلول التي يمكنه رعايتها لضبط خطوط التماس في هضبة الجولان، ومنع انزلاق أي جولات اشتباك بين سوريا والعدو إلى مواجهة واسعة قد تؤثّر سلباً على مسار أشمل، عنوانه بالنسبة إلى روسيا «إعادة الاستقرار إلى الأراضي السورية بتوافقات إقليمية ودولية». وهو مسار تحاول موسكو تفعيله على الحدود الشمالية أيضاً، عبر استحضار «اتفاقية أضنة» مع الأتراك.

خلال العامين الأوّلين من عمر التدخل الروسي، كان تركيز موسكو ينصبّ على الأولويات الميدانية، وأهمها استعادة السيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وفق ترتيب يضمن تقليص الخسائر. ولهذا مثلاً، لم تدعم القوات الروسية أي تحرّك نحو المناطق الشرقية إلا وفق جدولها الزمني، وبعد تنسيق مع الجانب الأميركي. وعقب مساهمتها في تحييد خطر «داعش» وتأمين جزء مهم من مناطق النفط والفوسفات ومنع فقدان الشرق السوري، ركّزت موسكو اهتمامها على محيط دمشق والمنطقة الجنوبية. هناك، كانت الفرصة أمام الولايات المتحدة وإسرائيل لمحاولة كسب ما لم تحققه الغارات الجوّية المتواترة، وهو إخراج التشكيلات المدعومة من إيران.
وبمعزل عن نجاح هذا السيناريو من عدمه، في «طمأنة» الجانب الإسرائيلي، فإن الأخير عاود الاستناد إلى الحجّة نفسها لتوسيع قوس استهداف البنية التحتية العسكرية السورية، والمراكز المهمة التي يمكنها تطوير تلك البنية، كما التسّليح، من دون مساعدات خارجية مباشرة (وأهمها مراكز البحوث العلمية). ورغم أن موسكو غضّت الطرف عن الاعتداءات الإسرائيلية ولم تعمل على منعها بشكل مباشر، فقد تبنّت مساراً جانبياً ساهم في تغيير طبيعة تلك الاعتداءات.

تحييد مطار دمشق
يعمل الجانب الروسي على تقليص بنك الأهداف الإسرائيلية. فمثلاً، مطار دمشق الدولي الذي تعرّض لضربات متكررة أخيراً، سيدخل مرحلة جديدة مع عودة عدد من شركات الطيران المدني إليه، خلال المرحلة المقبلة؛ وهو ما دفع بعض الشركات إلى زيارة المطار ومعاينته لضمان سلامة طائراتها عند الهبوط والإقلاع، وأبرزها «الملكية الأردنية». هذا التوجّه يمشي بخطى متسارعة مدفوعة من موسكو؛ وتشير المعلومات إلى أن جولة وزير الخارجية الروسي الأخيرة على عدد من الدول العربية تطرّقت إلى هذا الموضوع بشكل موسّع.
وعلمت «الأخبار» أنه قبل تصعيد العدو غاراته على محيط المطار، انطلق نقاش سوري ــــ إيراني ــــ روسي حول شكل استخدام المطار من الجوانب العسكرية بعد تراجع كبير في الحاجة إليه كوسيلة نقل سريعة كانت معتمدة بصورة أساسية خلال سنوات الحرب الأخيرة.
وبحسب المعلومات، فإن القيادة السورية تتجه صوب تنفيذ قرار بعقد مشروع تعاون مع روسيا لتطوير جميع منشآت المطار وتوسيعه، وتركيز العمل فيه على الشقين المدني والتجاري. ولذلك أبلغت طهران دمشق أنها في صدد وقف استخدام هذا المطار من قبل القوات الإيرانية، وهو ما سيسحب حجة قوية من يد العدو في غاراته المتواصلة على المطار بحجة أنه يضرب مخازن تابعة للجيش الإيراني أو مدرجات تستخدمها طائرات عسكرية إيرانية لنقل سلاح صاروخي وجهته لبنان. ويبدو أن القرار سينفذ في وقت قريب، وهو يتم بالتنسيق مع الجانب الروسي أيضاً.
وبالتوازي، يجري تحضير اتفاقية لتولّي شركة روسية العمل على مشاريع ترميم، وبناء محطة جديدة في المطار الدولي، وستكون تلك الأعمال التي قد تجد طريقها إلى التنفيذ في خلال الصيف المقبل، كما غيرها من المصالح العسكرية والاقتصادية في سوريا، تحت مظلّة حماية روسية مباشرة. وسيفرض ذلك تغييرات مهمّة، ولا سيّما على صعيد النشاطات التي قد تُستخدم حجّة لأي تصعيد إسرائيلي. ما حاولت روسيا فعله خلال السنوات الماضية، هو ترتيب علاقتها مع إسرائيل، وفق ضوابط لا تراعي اعتبارات حلفاء دمشق الآخرين، وعلى رأسهم إيران. وحاججت إسرائيلَ بخطاب دفاع عن «سيادة الدولة السورية»، وتحذيرٍ من تهديد سلامة الطائرات المدنية بما يخرق «القانون الدولي». وفي مقابل ما قدّمته في هذا الإطار، صوّبت في المنابر الدولية على الوجود العسكري الأميركي غير الشرعي، من دون المبادرة إلى إدانة أو استنكار الاعتداءات الإسرائيلية، من على منبر مجلس الأمن مثلاً.
ومع زوال الخطر المباشر (البري) على قواعد الدفاع الجوي التي تحمي سماء دمشق والمنطقة الجنوبية، كانت روسيا قد بدأت المساهمة في ترميم المنظومات السورية وتطويرها، وتزويد الجيش السوري بوسائل دفاع يمكنها التقليل من آثار الغارات مثل (Pantsir) وبعد سحب الذرائع الإسرائيلية لاستهداف المناطق الجنوبية المحاذية للجولان، جاء القصف الإسرائيلي لمواقع في الساحل السوري وريف حماة، فرصة لبدء مرحلة جديدة من تطوير الدفاعات الجوية، وتحديداً تسليم منظومة «S-300» وتعزيز شبكات الرادار والتشويش. واستغلّت يومها موسكو سقوط إحدى طائراتها (IL-20) خلال الغارة الإسرائيلية، لتصعيد خطابها في وجه إسرائيل، والحفاظ على زخم كاف لإمرار تلك التحديثات التي تجريها على منظومات الدفاع الجوي، والتي تهدف ــــ مرحليّاً ــــ وفق ما أكدت كل المنابر الرسمية إلى «حماية القوات الروسية» العاملة على الأرض السورية. ورغم أن «S-300» لم تدخل الخدمة بعد، تشير معلومات متقاطعة إلى أنها قد تدخلها قريباً؛ وبعيداً عن الفاعلية المرتجاة من تشغيل تلك المنظومة، إن تمّ، وعن مساهمتها الحقيقية في ردع الغارات الإسرائيلية.



موسكو وأبو ظبي: تقاطع مصالح يخدم إسرائيل!
في الجنوب السوري، تعاونت روسيا طويلاً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. كان الأمر ينحصر في سبل تحقيق المصالحة ومعالجة ملف فصائل مسلحة كانت تتلقى الدعم والأوامر من غرفة «الموك» في الأردن، التي لعبت فيها أبو ظبي دوراً كبيراً.
تستمر الدولتان في لعب أدوار عديدة، على صعيد النفوذ والتأثير. في فترات سابقة، ساهمت الإمارات، بالتوافق مع روسيا، في حل فصائل مسلحة جنوبية، أو دفعها نحو عقد اتفاقات «منفردة» مع الجانب الروسي، وذلك للحؤول دون عملية عسكرية واسعة يشنها الجيش السوري وحلفاؤه، من شأنها أن تعزز نفوذ حلفاء دمشق، سواء إيران أو حزب الله، في المنطقة الجنوبية.
ومن المعلوم أن هذا هو مطلب العدو الإسرائيلي الذي عقد اتفاقاً ضمنياً أيضاً مع موسكو، قضى بأن تضمن موسكو انسحاب المستشارين العسكريين الإيرانيين ومقاتلي حزب الله من الجنوب، مقابل عدم تدخل إسرائيل في المعارك على حدودها، وامتناعها عن دعم الفصائل المسلحة التي تنتشر في المنطقة، ما يساهم في عودة الجيش السوري للإمساك بالحدود مع الجولان المحتل، بحضور الشرطة العسكرية الروسية والقوات الدولية ووجودهما. ومن الجهة الجنوبية أيضاً، على الحدود مع الأردن، كان الاتفاق بين موسكو وواشنطن وعمّان يقضي برفع الغطاء والدعم عن المسلحين، مقابل ضمان موسكو عدم انتشار حلفاء دمشق على الحدود، وتعويض ذلك بانتشار الشرطة العسكرية الروسية، الى جانب الجيش السوري.
اليوم، تظهر أبو ظبي كصاحبة النفوذ الأكبر ــــ عربياً ــــ في الجنوب السوري، وهي تؤثّر على توجهات الفصائل التي عقدت تسويات مع الجانب الروسي، ثم انخرطت في ما بعد بما سمّي «الفيلق الخامس»، الذي ابتدعته موسكو كحل للسيطرة على مقاتلي الفصائل الجنوبية سابقاً، وتنظيمهم ضمن تشكيلات عسكرية منضبطة نسبياً. ومن أبرز ما تعمل عليه أبو ظبي، عبر دائرة نفوذها وتأثيرها، الدفع باتجاه رفض أي «نشاط» لحلفاء دمشق، أياً كانوا، في الجنوب السوري، سواء كان نشاطاً عسكرياً أو سياسياً أو حتى مدنياً خيرياً.