رتابةٌ وبطء هو كلّ ما يميز ساعات الجمعة في الجزائر، إذا استثنينا حركة الشارع وقت الصلاة، والتي تعود البلاد بعدها إلى شبه سبات بانتظار جلَبة يوم السبت وبقية أيام الأسبوع. هذا في العادة، لكن كان لجمعة الثاني والعشرين من شباط/ فبراير 2019 نسق وترتيب آخران أرادتهما الجماهير وصدّقه الواقع. مدن جزائرية أولها العاصمة شهدت مسيرات حاشدة لآلاف الجزائريين، خرجوا كلهم ليقولوا لا للعهدة الخامسة التي يريد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الفوز بها في انتخابات الرئاسة المرتقبة في الثامن عشر من نيسان/ أبريل المقبل. فأي مصير ينتظر تلك المسيرات؟

ثمة مشهد سياسي شبه جامد في الجزائر منذ العام 2013 على الأقل، ولا تخترقه إلا استحقاقات انتخابية تُنظَّم بين الفينة والأخرى، ولم ترْق قطعاً إلى مستوى تطلعات الغالبية الساحقة لاثنين وأربعين مليون جزائري.

من التظاهرات التي شهدتها الجزائر أمس احتجاجاً على ترشّح بوتفليقة (أ ف ب )

الوجوه نفسها يُعاد انتخابها، والأحزاب عينها تتصدر المشهد في البلاد، أكان على مستوى توزيع المناصب الوزارية أو الظهور الإعلامي. من الحزب العتيد المتمثل في «جبهة التحرير الوطني» بزعامة معاذ بوشارب، إلى «التجمع الوطني الديموقراطي» بزعامة رئيس الوزراء أحمد أويحي، وصولاً إلى ما يسمى «تجمع أمل الجزائر» (تاج) برئاسة عمار غول، و«الحركة الشعبية الجزائرية» بزعامة عمارة بن يونس.
وتتصدر هذا المشهد أحزاب ما يسمى «التحالف الرئاسي»، التي لا تفوّت فرصة إلا وتحاول من خلالها إبراز ما تحقق من «مكاسب» على حد قولها، منذ أن حكم بوتفليقة البلاد قبل عشرين عاماً. وهي مزاعم تؤيدها «منظمة أرباب العمل»، وكذلك النقابة العمالية الأهم التي يمثلها «الاتحاد العام للعمال الجزائريين» برئاسة السيد عبد المجيد سيدي السعيد، الموجود هو الآخر في المنصب منذ عام 1997، أي قبل مجيء بوتفليقة نفسه إلى السلطة عام 1999.
مقابل هؤلاء، ثمة معارضة منقسمة على نفسها، لم تنجح حتى الآن في بلورة أرضية مشتركة تسمح لها بالوقوف بوجه الطرف الآخر، ولا بأن تعطي ولو نزراً يسيراً من الأمل لهذه الجماهير. وبين الطرفين، يقف الجيش بقيادة رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع أحمد قايد صالح، الذي دافع هو الآخر عما تحقق من «إنجازات لا ينكرها إلا جاحد من ذوي النوايا السيئة والخطابات الحاقدة، الذين لا يقيمون وزناً لجزائر آمنة ومستقرة» على حدّ تعبيره.

وعي المتظاهرين
إزاء الجمود وانسداد الأفق، خصوصاً بعد إعلان التحالف الرئاسي ترشيح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة على رغم اعتلال صحته، خرجت تلك التظاهرات التي رأت في الإعلان ضحكاً على الذقون واستفزازاً لمشاعر الملايين من الجزائريين، في ظلّ غياب شبه كامل للرئيس عن الساحة منذ عدة سنوات. إذ اقتصرت إطلالاته الإعلامية على صورة تستغرق بضع لحظات بين الفترة والأخرى، أما أن يخاطب الرئيس شعبه فذاك أصبح ضرباً من المستحيل. وفيما لا يزال عدد المشاركين في تلك المسيرات في علم الغيب والسلطة حتى كتابة هذه السطور، فإن الصور التي نشرتها مواقع التواصل الاجتماعي توحي جميعها بأن ما اصطُلح على تسميته بـ«حراك 22 فيفري» لم يكن زوبعة في فنجان ولا حدثاً عارضاً.
ما تشهده الجزائر هو إرهاصات حراك شعبي متصاعد رافض للجمود


المتظاهرون الذين تدفقوا إلى الشوارع بدوا وكأنهم يعرفون ما يريدون من تلك المسيرات. وقبل ذلك كله، يعرفون ما يترصدهم من أخطار، وهم الذين عاشوا، أو على الأقل جزء منهم، ويلات سنوات العنف الأعمى الذي كلف البلاد ما كلف من خسائر في الأرواح والممتلكات، وعاد بها عشرات السنين إلى الوراء. يدرك المتظاهرون المحتجون على تولي بوتفليقة عهدة خامسة، وقبلها رابعة وبعدها سادسة إذا أمدّ الله في عمره، الأخطار التي تتهدد البلاد داخلياً وخارجياً. ففي الداخل بطالة وأزمة اقتصادية يرزح الشعب تحتها منذ انهيار أسعار النفط وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي إلى 80 مليار دولار بعدما كان 205 مليارات قبل سنوات. ومن الخارج تهديد رابض على الحدود ينتهز الفرصة للانقضاض، أكان ذلك في ليبيا حيث تسود الفوضى التي حوّلت البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية الدولية، أو في مالي حيث انعدام الأمن وهشاشة النظام وخطر المجموعات المسلحة، وعلى رأسها «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
كل ذلك يدركه المحتجون، ولذلك جاءت التظاهرات سلمية في معظمها، ولم نر فيها تحزباً ولا استقطاباً، وكانت على قدر عال من الانضباط. بل أكثر من ذلك، كانت هناك دعوات إلى الالتزام ببعض السلوكيات أثناء التظاهر، كعدم حمل أي أعلام لفرق رياضية أو العلم الأمازيغي، ليكون العلم الجزائري وحده في الميدان. كما تمت الدعوة إلى عدم ارتداء الدشداشة (القميص كما يسميه الجزائريون). وقد حدث كل هذا، من منطلق وعي المتظاهرين بأنه يمكن استغلال أي ثغرة لرمي الحراك بما ليس فيه، وبأن جهة ما تقف وراءه، فتسهل زعزعته والتشكيك في دوافعه وولائه.

أول الغيث قطرة
ما تشهده الجزائر هو إرهاصات حراك شعبي متصاعد رافض للجمود والضحك على الذقون، حراك شباب تنهشه البطالة (30% منهم لا يجدون عملاً) فلا يجد إلا قوارب الموت يركبها. لكن التحدي الأكبر يكمن في القدرة على الاستمرار في هذا الزخم، وبالروح نفسها، ومستوى الوعي بخطورة المرحلة عينه، خصوصاً أنه لا توجد هناك قيادة لهذا الحراك. فالفجوة عميقة بين الغالبية الساحقة من الشباب والنخبة المتمثلة في الأحزاب ومَن بقي حياً من المجاهدين الذين قارعوا الاستعمار الفرنسي أثناء الحرب التحريرية.
لا أحد ينكر أن للرئيس بوتفليقة قدراً واسعاً من التأييد في أوساط الكثيرين. فاسمه اقترن بعودة السلم الأهلي في بلاد شهدت مقتل أكثر من 200 ألف شخص على أقلّ تقدير، أثناء ما اصطُلح على تسميته بـ«العشرية السوداء». لكن في المقابل، هل قُدّر للشعب ألا يعرف غيره رئيساً، خصوصاً أن حالته الصحية لا تسمح له بممارسة كاملة المسؤولية، ومن يقول غير ذلك فهو إما لا يعقل أو منتفع؟ ومثلما هو الحراك أمام تحدٍّ، فإن السلطة أيضاً أمام تحدّ لا يقلّ جسامة ومصيرية؛ فهل تستخلص دروس الأحداث في المنطقة العربية، وتحافظ على ضبط النفس إذا ما قُدّر للحراك أن يستمر؟ وإلى أي مدى ستنجح في ذلك؟ والسؤال الأهم هل تراجع السلطة حساباتها وتستمع لصوت الجماهير التي خرجت اليوم؟