الخليل | «من أنت؟»، لسان عبري يصرخ من خلف البوابة الإلكترونية. يجيب عماد: «242!». هذا المشهد يتكرر يومياً عند مرور عماد أبو شمسية عبر حواجز العدو الإسرائيلي المنتشرة في البلدة القديمة من مدينة الخليل (جنوبي الضفة المحتلة)، إضافة إلى منطقة شارع الشهداء ومحيطها وتل أرميدة. هنا، تحوّل السكان إلى مجرد أرقام في نظر المحتل.

تعيش في قلب الخليل 230 عائلة، يحمل كل فرد منها رقماً مسجلاً على ما يقارب مئة حاجز ينصبها جنود العدو على الطرقات، ليضمن ألّا يمرّ غيرهم إلى البلدة القديمة. يقول أبو شمسية: « لا تستطيع أي سيارة فلسطينية الدخول دون تنسيق... قد تجد عجوزاً تعيش وحدها ولا يستطيع أبناؤها الوصول إليها». هذه الإجراءات أدت إلى انخفاض ملحوظ في عدد الساكنين في البلدة، البالغ عددهم أربعين ألفاً.

أدت إجراءات الاحتلال إلى إغلاق 1800 محلّ تجاري في البلدة القديمة (أ ف ب )

في هذا الوضع، لا ينجح الصحافيون في أحيان كثيرة في الوصول إلى هناك لتوثيق انتهاكات الاحتلال. لذلك، أسّس شبان الخليل، تطوعاً، «تجمع المدافعين عن حقوق الإنسان»، الذي يعملون من خلاله على توثيق الانتهاكات، وتوزيعها على وسائل الإعلام.
عام 2016، وثّق منسّق التجمع، أبو شمسية، عملية إعدام الشاب عبد الفتاح الشريف، برصاص الجندي الإسرائيلي إليؤور أزاريا، الذي أطلق رصاصة من نقطة صفر استقرت في رأس عبد الفتاح، رغم أنه كان جريحاً وملقىً على الأرض. هذا التوثيق فضح إحدى الجرائم الإسرائيلية الغائبة عن عدسات الكاميرا، ما أجبر العدو على احتجاز الجندي ومحاكمته (بغضّ النظر عن المسار القضائي لاحقاً).
كان أبو شمسية شاهداً وحيداً على هذه الجريمة، لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد، فحاول العدو الانتقام من عائلته. روى عماد ما جرى بعد نشر الفيديو: «سمّموا خزان مياه منزلنا، وحاولوا إحراق البيت أكثر من مرة»، مضيفاً: «سيطروا على سطح المنزل وحوّلوه إلى ثكنة، وأرادوا وضع برج عسكري أعلاه، وأيضاً يكرر المستوطنون هجومهم على المنزل بالحجارة».

«البروتوكول» زاد الطين بلة
منذ بدء الاحتلال، تتعرّض البلدة القديمة لـ«سياسة فصل عنصري وتطهير عرقي»، كما يقول المتطوّع في «تجمع المدافعين» وابن البلدة بديع دويك، مضيفاً أن «الاحتلال عاقب الضحية بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل».
وكان المستوطن باروخ غولدشتاين قد ارتكب مجزرة داخل الحرم الإبراهيمي عام 1994، استشهد فيها 29 مصلياً وجرح 15، وتبعت ذلك إجراءات مشددة ضد الأهالي؛ إذ أغلق العدو سوق الحسبة، وخانَي الخليل وشاهين، وشارعَي الشهداء والسهلة، ليفصل قلب المدينة عن محيطها.
يقول دويك إن هجمة المستوطنين ازدادت شراسة بعد 30/8/2017، تاريخ إعلان الاحتلال إقامة بلدية للمستوطنين في منطقة «H2»، بما يعطيهم صلاحيات للاستيلاء على البيوت والمحلات الفلسطينية، علماً أن الأوامر العسكرية في بداية الانتفاضة الثانية أدت إلى إغلاق 1800 محل تجاري في البلدة القديمة.
المستوطنون الذين يحتلون الخليل 35 ألفاً موزعون على 27 مستوطنة


و«H2» هي المنطقة التي أعاد الاحتلال الانتشار فيها، وامتلك صلاحيات الأمن والنظام العام استناداً إلى «بروتوكول الخليل»، الاتفاق المبرم بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والذي قسّم الخليل إلى منطقتين: الأولى تحت سيطرة الاحتلال، والثانية (H1) التي تملك فيها السلطة الصلاحيات الأمنية والإدارية.
وعلى رغم الانتهاكات التي يتعرض لها متطوعو «حقوق الإنسان» في الخليل، إلا أنهم يصرون على أداء مهمتهم. يقول دويك: «نحاول فضح جرائم الاحتلال ونشر الصورة للناس، المتطوعون فدائيون بسلاح الكاميرا، وهم مستهدفون لأنهم معروفون بالاسم لدى قوات الاحتلال».
ويزيد عدد المستوطنين الذين يحتلون الخليل على 35 ألف يهودي موزعين على 27 مستوطنة وعشرات «البؤر» المقامة على أراضيها، وأبرزها مستوطنات البلدة القديمة الخمسة: «رمات شاي»، و«رمات أفينو»، و«بوت شيشا»، و«دبويا»، و«المعهد الديني»، كما يظلّ عدد المستوطنين قابلاً للزيادة، إذ إن الاحتلال يخطط لبناء 36 وحدة جديدة، وثلاث رياض أطفال.

الحرم في خطر
بينما أنت ذاهب للصلاة في الحرم الإبراهيمي، ستصطدم بـ«بوابة القفص»! إنه الاسم الذي يُطلق على حاجز الاحتلال الذي يفصلك عن الحرم، والذي يشبه القفص في شكله، حيث تتعرض للتفتيش وتدقيق في الهوية، ثم ستمرّ بالعديد من نقاط المراقبة في مساحة لا تزيد على مئتي متر مربع. وبينما تصلّي داخل الحرم، فإن 26 كاميرا مجهزة لرصد حركتك.
هذا هو الحال في ثالث مساجد العالم قِدماً والرابع قدسيةً، والذي يحتوي على مقامات الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب وزوجاتهم، وفق الاعتقاد الديني العام. والمسجد أغلق تسعة أشهر بعد المجزرة، وقُسم إلى قسمين، أحدهما لليهود وآخر للمسلمين.
يقول مدير الحرم الإبراهيمي حفظي أبو اسنينة: «هناك 10 أيام في السنة يستباح فيها الحرم خلال الأعياد اليهودية، إضافة إلى منع أذان المغرب يومياً، وأذاني المغرب والعشاء يوم الجمعة... خلال 2018 منع الاحتلال رفع الأذان 631 مرة».