استكمالاً لمحاولات تعزيز مكانة بلاده كقوة إقليمية في القرن الأفريقي، يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، إلى الاستفادة من الاندفاعة الخليجية، ولا سيما من قِبَل الجارتين المتنافستين، قطر والإمارات، اللتين زارهما يومَي الثلاثاء والأربعاء، في جولة هي الأولى له منذ توليه منصبه في نيسان/ أبريل من العام الماضي. ركزت المحادثات في الدوحة حيث التقى أمير البلاد تميم بن حمد، وأبو ظبي التي التقى ولي عهدها محمد بن زايد، على الملفات الاقتصادية واستقرار الوضع في المنطقة الاستراتيجية، الواقعة على رأس باب المندب، والمنحصرة بين البحر الأحمر شمالاً والمحيط الهندي جنوباً، حيث تشهد شواطئ القرن الأفريقي حرباً باردة للاستحواذ على موانئه، بدت أكثر وضوحاً مع اندلاع الأزمة الخليجية عام 2017.

تشهد منطقة القرن الأفريقي تحولات تعيد إلى الأذهان ما حدث في نهاية ثمانينيات القرن الفائت، من تغيير سياسي شامل في دول المنطقة في غضون سنوات قلائل، من دون نتائج إيجابية لشعوبها. وفيما جرت هذه التحولات من دون وجود قائد ينسّقها في المنطقة ككل، برز رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، الذي تخصّص في دراسة القيادة التحولية «Transformational Leadership»، في صدارتها منذ نيسان/ أبريل 2018، من غير أن تتجاوز حركته حدود الارتهان شبه المطلق لحسابات المصالح الإقليمية والدولية، إلى إحداث تغييرات حقيقية في بنى المجتمعات وتنميتها.
لقد نشط أبي أحمد، في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، على نحو ذكّر بالديبلوماسية المكوكية لهنري كيسنجر. إذ استضاف في أوله الرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، بصحبة وفد اقتصادي كبير، وانطلق معه بعد يوم واحد إلى أسمرا لمقابلة الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، لمناقشات ثلاثية حول «التكامل الاقتصادي الإقليمي». وفي 4 آذار/ مارس، انطلق أحمد مع أفورقي إلى جوبا لمباحثات مع سلفا كير لمناقشة الأمن والتكامل الإقليمي، ثم استقبل الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، في أديس أبابا (5 آذار/مارس)، لمناقشة عدة مسائل، أهمها تقوية السلم والأمن الإقليميين، وآليات ضمان تقوية العلاقات الكينية ـــ الصومالية، ومواصلة تطوير الموانئ بنحو مشترك، وضمان دعم العلاقات بين إدارة أرض الصومال وجمهورية الصومال الفيدرالية للسلام الإقليمي، وذهب معه في 6 آذار/مارس إلى نيروبي للوساطة في مسألة النزاع الحدودي بين الأخيرة ومقديشو وتخفيف التوتر في علاقاتهما.
وأظهر هذا النشاط الملحوظ لأبي أحمد نزوعاً إلى قيادة المنطقة، وسط حالة انتقال من تشبيهه برئيس الوزراء الكندي الشاب جاستن ترودو، إلى وصفه بأنه زعيم «شعبوي» يبتهج لفكرة الولع بزعامته (أبيمانيا Abiymania)، تماماً مثل رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب، ولا يأبه لاعتباره «شعبوياً انتهازياً يحتال من أجل السلطة على منصة التحول الديموقراطي»، وتزايد احتمالات تحوله إلى نسخة معدلة من الزعيم الإثيوبي الأسبق ميليس زيناوي، خاصة مع تراجع تسامحه الديموقراطي، وتلميحه اللافت في مطلع العام الحالي أمام مؤتمر للمعلمين الإثيوبيين إلى أنه يمكن الحكومة الإثيوبية أن «تعجّل ـــ حال وخزها ـــ فإصدار مراسيم للاعتقال، وإلقاء القبض (على المناوئين)».
وتعوّل أديس أبابا على دور سياسي مدعوم إقليمياً ودولياً وسط التنافس الحالي على المنطقة، وبروز إثيوبيا كقوة تتفادى الانحياز إلى المحاور الإقليمية ـــ على الأقلّ علناً ـــ، وتعزّز أهميتها الجيواستراتيجية كقوة مهيمنة لجذب مزيد من الاستثمارات من شركاء مختلفين مثل قطر وتركيا والسعودية والإمارات، لسدّ الفجوات النقدية في البنية الأساسية ومناطق التجارة الحرة (ظلت إثيوبيا الوجهة الاستثمارية المفضلة لتركيا في أفريقيا طوال الأعوام القليلة السابقة، وتستحوذ حالياً بمفردها على نحو نصف مجمل الاستثمارات التركية في أفريقيا البالغة نحو 6 مليارات دولار). وساعد هذا «التوازن» على دفع البلاد بعيداً عن تكرار السيناريو اليوغوسلافي، وتفعيل خطاب المصالحة في الداخل، وتمكين الاقتصاد من تحقيق قفزات نوعية من قبيل تجاوزه الاقتصاد الكيني كثاني أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، مع توقع وصول الناتج المحلي الإجمالي إلى مئة مليار دولار في عام 2020 (مقارنة بثمانية مليارات دولار في عام 2003، و80 مليار دولار في عام 2017).
خلال فترة وجيزة، ركّز أبي أحمد على أهم ملفات القرن الأفريقي السياسية والاقتصادية، إذ تناولت مناقشاته مع أفورقي دعم العلاقات الثنائية، ومع سلفا كير السلام الإقليمي، والصلات الاقتصادية، وتطوير البنية الأساسية والقدرات المشتركة، والدفع في اتجاه التكامل الإقليمي. كذلك، نجح أبي أحمد في دفع الصومال وكينيا إلى الاتفاق على وقف التصعيد بينهما، والعمل معاً على تحقيق السلام، وذلك عقب استدعاء كينيا لسفيرها من مقديشو احتجاجاً على مناقصات حكومية صومالية لاستكشاف الغاز والبترول في وسط المنطقة الحدودية البحرية المتنازع عليها بين البلدين في المحيط الهندي، والتي يعمل فيها عمالقة الطاقة مثل «إيني» و«توتال» و«أنداركو»، بترخيص من الحكومة الكينية منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي. ولإثيوبيا علاقات خاصة مع «جمهورية أرض الصومال»، تقوم على العديد من الاتفاقات الثنائية، ومن بينها ممر أديس أبابا ـــ بربرة البالغة قيمته 300 مليون دولار، والذي تموّله الإمارات، والاستفادة من الوجود الإماراتي في «أرض الصومال» للوصول إلى ميناء بربرة، عبر الحصول على حصة 19 بالمئة من مشروع تطوير الميناء.
وبدت مسألة التكامل الإقليمي جوهرية في مساعي قيادة أبي أحمد للمنطقة، والترويج لدور إثيوبيا في قطاعات الخدمات في دول المنطقة من خلال مشروعات توليد الطاقة الكهربائية والبنية الأساسية، بالتعاون مع شركاء إثيوبيا الإقليميين والدوليين (خاصة الخليج والصين). وهي رؤية تجد قبولاً إعلامياً كبيراً نظراً للتوسع السريع في اقتصاد إثيوبيا، ما دفع كثيرين إلى أن يعدّوه نموذجاً للتنمية السلطوية كما في الصين، معززاً بارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بمتوسط 10 بالمئة سنوياً طوال الخمسة عشر عاماً السابقة. وربما كان التقدير المتقدم مبالغاً فيه، لكون هذا النمو قد بدأ بالفعل من قاعدة متدنية بنحو لافت، في ظل تساؤلات عن مدى استدامة النموذج الإثيوبي، خاصة أن أغلب نموه الاقتصادي يأتي من إنفاق الدولة على الطرق والمناطق الصناعية والسدود العملاقة وخطوط الطيران الأكبر في أفريقيا، وهي قطاعات تُموَّل في أغلبها عبر الاقتراض من الخارج، ما دفع إلى تضاعف الدين بالعملة الأجنبية إلى ما يعادل 350% من عائدات التصدير السنوية.
وقد تجسد البعد الاقتصادي لمساعي أبي أحمد لقيادة المنطقة في إدراك كينيا لهذه المساعي، وعملها ـــ من جهتها ـــ على إغراء إثيوبيا بفتح سوقها أمام المنتجات الكينية، عقب المنتدى الاستثماري الذي تزامن مع لقاء أبي أحمد بأوهورو كينياتا في مطلع الشهر الجاري، وبدئها مراجعة تقدم تطبيق اتفاق الوضع الخاص المُوقّع في عام 2012 لتعزيز الشراكة الاقتصادية، وسعيها إلى تعزيز فرصها التجارية في إثيوبيا، ومنها إلى إريتريا وجيبوتي والصومال، وتعويض الآثار السلبية من قِبَل دول جوار كينيا الأعضاء في الجماعة الاقتصادية لشرق أفريقيا.
وفيما نجحت قيادة أبي أحمد للمنطقة في موازنة الاهتمام الشرق أوسطي المتجدد بالقرن الأفريقي والاستفادة منه، وقوّت تحالفات إثيوبيا، وجذبت لها استثمارات مهمة، في الوقت الذي حافظت فيه على سياسة خارجية مستقلة، فإن ذلك لا ينفي حقيقة أنها تخوض لعبة خطيرة، متكررة تاريخياً، مفادها أن الجمع بين سياسة الخليج القائمة على الصفقات، والقيادة الأفريقية الفاسدة في الغالب، يمكن أن يثبت تقلبه، لأن المتنافسين التاريخيين يتخذون تحولات جديدة، والأمور تتطور على نحو يتجاوز سيطرة منطقة القرن الأفريقي، خاصة إذا لفت انتباهنا الدور النشط للسفير الأميركي الحالي في مقديشو، دونالد ياماماتو، بعد وساطته في تسوية الأزمة الإريترية ـــ الإثيوبية، ودوره في التمكين الأميركي في جيبوتي، ودوره الحالي في الصومال، وهو دور يلقي تساؤلات مغايرة عن طبيعة قيادة أبي أحمد في منطقة القرن الأفريقي، سواء الكبير أو التقليدي.