يستهدف توقيع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قرار الاعتراف بضمّ الجولان لإسرائيل، شرعنة الاحتلال القائم منذ العام 1967، وفرض وقائع يراهن من خلالها على أن الطرف العربي سيتكيّف بتوالي الوقت مع السقف الجديد. وهو ينطوي على دعوة مباشرة إلى حلفاء الولايات المتحدة كافة للتأسيس على أن هذا القرار تعبير عن مسار لا رجعة عنه. لكن، فضلاً عن ذلك، يتصل القرار بأكثر من بعد أميركي وإسرائيلي. صحيح أنه مطلب إسرائيلي دائم، على خلفية أطماع توسعية واستراتيجية، لكن السؤال الذي يُطرح أيضاً هو حول السياق الأميركي الذي دفع إدارة ترامب إلى الإقدام على هذه الخطوة في هذه المرحلة، بما يتعارض ليس فقط مع القانون الدولي والقرارات الدولية، بل مع سياسات الإدارات الأميركية السابقة.

رئيس تحرير صحيفة «هآرتس»، ألوف بن، يذهب في تحليله التغير الذي طرأ على الأداء الأميركي تجاه الصراع العربي ـــ الإسرائيلي، ومن ضمنه الصراع الفلسطيني ـــ الإسرائيلي، إلى استحضار ابتكار الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة تقنية استخراج كميات تجارية كبيرة من النفط والغاز عبر «التصديع المائي» للصخور في باطن الأرض، وبكلفة مقبولة، وذلك على يد المهندس الأميركي جورج ميتشل. يرى بن أن هذا الابتكار حرّر واشنطن من الارتباط المخيف بالسائل الأسود في الشرق الأوسط، معتبراً أن مفاعيله ظهرت بسرعة على مستوى السياسة الخارجية الأميركية، وتحديداً في ما يتعلق بشنّ الحروب وإرسال قوات إلى الشرق الأوسط، لمصلحة «إعادة الجنود إلى الوطن»، فضلاً عن أن الولايات المتحدة لم تعد مضطرة إلى مراعاة الدول النفطية، وعلى رأسها السعودية التي سيطرت على اقتصاد النفط العالمي طوال عشرات السنين، وكان لها تأثير هائل في واشنطن نتيجة لذلك.
لكن مفاعيل الابتكار المذكور لم تكن أحادية الاتجاه، إذ اختلفت ما بين الرئيسين السابق باراك أوباما والحالي دونالد ترامب. فقد عمد أوباما إلى عقد اتفاق نووي مع إيران على حساب السعودية وإسرائيل، لكنه لم ينجح في إجراء تحول جذري في العلاقات مع طهران. أما ترامب فاختار الدخول في خصومة حادّة مع إيران، ولجأ ـــ بحسب بن أيضاً ـــ إلى «كسر التوازن الذي مارسه أسلافه منذ العام 1948، بين القوة الإسرائيلية والقوة السعودية في السياسة الأميركية». وفي هذا السياق، اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها، «من دون الخوف من ردود فعل غاضبة من جانب دول الخليج، وتهديدات بالمقاطعة وحرق العلم الأميركي في العواصم العربية. كذلك فإن ترامب لم يسارع إلى نشر خطة السلام الموعودة (صفقة القرن)، وطرح تنازلات إسرائيلية للفلسطينيين، أو تبنّي مبادرة السلام السعودية، مقابل محفزات لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو».
في ما يتعلق بالمفاعيل الدولية لقرار الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، لم يتوقع رئيس تحرير «هآرتس» أن يتبع هذا القرارَ «اعترافٌ من جانب الاتحاد الأوروبي ودول عظمى، بل سيتمسك هؤلاء بسياساتهم، التي تمتنع عن أي تطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي منذ حرب العام 1967، من دون اتفاق بين إسرائيل والعرب، إذ إن الكثير من الدول تقاطع منتجات المستوطنات في الضفة الغربية والجولان أيضاً». أما بخصوص مفاعيل القرار على المستوى الداخلي، فحذر بن من أنه «سيكون للاعتراف الأميركي بضمّ الجولان تبعات بالغة التأثير. وسيصعّد اليمين ضغوطه من أجل تطبيق القانون الإسرائيلي على المنطقة C (ج) في الضفة الغربية، التي توجد فيها المستوطنات كلها وعدد قليل من السكان الفلسطينيين. وسيواجه نتنياهو والمؤسسة الأمنية، الذين رفضوا حتى الآن ضماً فعلياً لهذه المنطقة وفضّلوا سيطرة إسرائيلية زاحفة، صعوبة متزايدة في الادعاء أن العالم لن يسمح بذلك». والذريعة التي سيستند إليها المستوطنون ومؤيدوهم، هي أنه ما دام ترامب يعترف بمستوطنات الجولان، فلماذا لا يعترف بمستوطنات الضفة الغربية؟ ومن هنا، يرجّح بن أن «يدور نقاش سياسي (حول هذا الموضوع) أثناء ولاية الحكومة المقبلة. وستواصل إسرائيل الغرق في تأبيد الصراع مع جيرانها، بدلاً من البحث عن مخرج منه».