لم يوفّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أي وقت منذ دخوله البيت الأبيض لدعم الكيان الإسرائيلي من فوق الطاولة، وبلا «الحياء الديبلوماسي» الذي اتسم به سابقوه من رؤساء الولايات المتحدة. إعلان «الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان»، الذي وقعه ترامب أول من أمس، لن يغيّر من الوضع القانوني لتلك المنطقة المحتلة، ولا من انتماء أهلها إلى سوريا، أو عزيمة الدولة السورية على استعادتها «بكل الوسائل القانونية... سلماً أو حرباً»، غير أنه قد يكون مدخلاً لتصعيد أوسع. ويعبّر نص الإعلان الأميركي الرئاسي بوضوح عن تلك الرؤية، إذ ينص على أن «أي اتفاق سلام ممكن في المستقبل... يجب أن يراعي حاجة إسرائيل لحماية نفسها من سوريا والتهديدات الإقليمية الأخرى». ويضيف أن «الأعمال العدوانية التي تقوم بها إيران والجماعات الإرهابية، بما في ذلك حزب الله في جنوب سوريا، تجعل من مرتفعات الجولان أرضاً محتملة لإطلاق هجمات على إسرائيل».

وكما تغريدة ترامب التي استبقت توقيع الإعلان الرئاسي، تساوقت ردود الفعل الرافضة للقرار الأميركي، والمُذكّرة بقرارات مجلس الأمن في هذا الشأن. وكان بيان «المجموعة الأوروبية» في مجلس الأمن أمس، أبرز ما خرج من حلفاء الولايات المتحدة، إذ التزمت الدول الموقّعة (بلجيكا وفرنسا وألمانيا وبولندا والمملكة المتحدة) عدم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على كل الأراضي المحتلة منذ حزيران 1967، بما في ذلك الجولان. وأتى الموقف الأوروبي قبل يوم من جلسة مهمة في مجلس الأمن، تناقش في ما تناقشه عمل قوة فضّ الاشتباك الأممية بين الجانبين السوري والإسرائيلي (أندوف). ومن غير المستبعد أن يشهد مجلس الأمن خلال الفترة المقبلة محاولة استصدار قرار (غير ملزم) يطالب واشنطن بالتراجع عن الإعلان، كما جرى بعدما صدر قرار ترامب نقل سفارة بلاده إلى القدس، وتصنيف الأخيرة «عاصمة لإسرائيل».

أعلنت أنقرة تسيير دوريات «منسّقة» مع موسكو في تل رفعت


ومع استنكار دمشق وحلفائها إعلان الإدارة الأميركية، كان لافتاً أن تعليق «الكرملين» ركّز على «العواقب السلبية» التي سيخلّفها القرار على «عملية التسوية في الشرق الأوسط... وأجواء التسوية السياسية السورية». وتعكس المخاوف الروسية من ارتدادات سلبية للقرار على مسار «التسوية السياسية» في سوريا، قلق موسكو من تعثّر «جهود الاستقرار» التي دعمتها في الميدان والسياسة منذ عام 2015. وهو ما أنبأ به إعلان واشنطن رفضها أي دعم لجهود الاستقرار دون «انتقال سياسي واضح» وبلا «ضمان أمن الحلفاء» و«تحجيم النفوذ الإيراني». وتعدّ الخطوة الأميركية، بالنسبة إلى موسكو، انقلاباً على «تفاهمات» عريضة بينها وبين واشنطن، تظهّرت في «قمة هلسنكي» (تموز 2018) التي جمعت ترامب ونظيره فلاديمير بوتين، وما خرج منها من تفاهمات بشأن الجنوب السوري. حينها، أكد بوتين أن بلاده «مهتمة بالسلام في الجولان، وبأمن إسرائيل»، وأنه «بعد هزيمة الإرهابيين في جنوب غرب سوريا، يجب تفعيل اتفاقية فض الاشتباك (1974) في الجولان... واستعادة وقف إطلاق النار وضمان أمن إسرائيل»، لافتاً إلى أن ترامب «أولى اهتماماً خاصاً بهذا الشأن». وأضاف بوتين أن «الخطوة الأولى ستتخذ نحو إقامة سلام عادل ودائم على أساس القرار 338 الصادر عن مجلس الأمن الدولي».
وفي موازاة خطوة ترامب الاستفزازية، أكد الممثل الأميركي الخاص لشؤون «التسوية السورية»، جايمس جيفري، أن القوات الأميركية ستبقى «بأعداد محدودة في الشمال الشرقي والتنف لمواصلة عمليات التطهير وضمان الاستقرار لفترة من الزمن، لن تُحدَّد في هذه المرحلة». وأشار جيفري إلى أن واشنطن تعمل مع أنقرة على «إنشاء منطقة آمنة على الحدود التركية ــ السورية، لن تضم عناصر من وحدات حماية الشعب الكردية»، مضيفاً أن «البحث جارٍ عن حلّ يلبي احتياجات الجميع». وأتى ذلك فيما أعلنت وزارة الدفاع التركية أن قواتها والقوات الروسية قامتا للمرة الأولى بتسيير «دوريات منسقة منفصلة» في منطقة تل رفعت في ريف حلب الشمالي، من دون أن يصدر عن وزارة الدفاع الروسية أي نفي أو تأكيد حتى مساء أمس.