«لماذا تحمل هذا الكيس؟ قلت: إذا قسا عليّ الدهر في لندن ولم أجد ما آكله، فسأَلْتَهم الزعتر. ?Do you know what is Za'atar. ابتَعدوا عني وتركوني جالساً وحدي. تساءلت في صمتي ووجومي: كيف استعمروا بلدنا ثلاثين عاماً وهم لا يميّزون بين الزعتر المطحون والبارود؟ وهل يخافون من الزعتر لأنه يقوّي الذاكرة وهم يريدون مسحها عن بكرة أبيها؟» («سفر على سفر»، سلمان ناطور).

إنه عام 1976. سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصدر مرسوم «تطوير الجليل» (تهويد الجليل)، فتصادر بموجبه آلاف الدونمات من الأراضي التي كانت ملكية خاصة للفلسطينيين هناك. هذا هو السبب المباشر لأحداث «يوم الأرض» الخالد: انتزاع إسرائيل 21 ألف دونم من أراضي بلدات عرابة وسخنين ودير حنا وعرب السواعد وغيرها، لتبني عليها المستوطنات والمنشآت العسكرية والصناعية. تُقرّر «لجنة الدفاع عن الأراضي» إعلان الإضراب العام الشامل في الـ30 من آذار/ مارس. أما الرد الإسرائيلي على التظاهرات التي نُظمت يوم الإضراب، فسيكون باجتياح الدبابات والمجنزرات القرى الفلسطينية، وإطلاق النار على المتظاهرين. سيسقط ستة شهداء وعشرات الجرحى والمعتقلين.
أرّخ ذلك اليوم لأول مواجهة حقيقية شاملة بين الفلسطينيين الذين بقوا في أرضهم، وجنود العدو الإسرائيلي وشرطته. عمّت التظاهرات كل أماكن الفلسطينيين من الجليل إلى النقب، وحتى مخيمات اللجوء. لكن هذا اليوم، وكل المواجهات بعده، لم تردع العدو عن مصادرة الأراضي وهدم البيوت بحجة «البناء غير المرخص»، ثم استخدام الأملاك المصادرة في مشاريع استيطانية وتهويدية تحت عناوين مثل «التخطيط» و«التطوير»... و«حماية البيئة»!

جُرّم عشرات الفلسطينيين في أكثر من 60 «قضية زعتر وعكوب» بين 2004 و2016


بهذه الممارسات، تهدف إسرائيل إلى قطع أي علاقة بين الفلسطينيّ وأرضه، وقد وصل الأمر إلى نباتات وحيوانات محددة تُشكل جزءاً من حياته اليومية، وتعبّر أيضاً عن ثقافته، سواءٌ في الطبخ أو الأدب. بعد عام واحد فقط من «يوم الأرض»، سنّ الاحتلال قانوناً يحظر قطف الزعتر، وصنّفه ضمن «النباتات المحميّة»، وطاول المنع لاحقاً عشبة الميرميّة (العيزقان/القصعين) والعكّوب، وكلها نباتات تنمو في الأحراج المنتشرة في بلاد الشام منذ مئات السنين. والأراضي التي صودرت استُخدم أكثرُ من 550 دونماً منها لزراعة الزعتر، أي إن المستوطنين الذين أُنشئت مستوطناتهم هناك أخذوا مكان الفلسطيني في رزقه وعمله فلّاحاً، وصولاً إلى إعلان الزعتر «بهاراً» أو «تتبيلة» إسرائيلية، كحال أطعمة فلسطينية كثيرة سُرقت ونُسبت زوراً إلى «ثقافة المطبخ الإسرائيلي»، مثل: الحمص والشكشوكة والفلافل.
المحامي الفلسطيني، ربيع إغبارية، أعدّ أخيراً دراسة بحثية طويلة، تُعدّ من الدراسات النادرة في هذا الموضوع، توصّل بها إلى أن المنع الذي فُرض على قطف هذه النباتات لم «يرتكز على أسس علمية مثبتة ومتينة هدفها حماية البيئة والنبات، بل هو وسيلة قانونية تستخدم بنحو واسع لمخالفة الإنسان الفلسطيني وتجريم علاقته بالطبيعة والأرض». ويستند البحث إلى مطالعة وتحليل أكثر من 60 «قضية زعتر وعكوب» تداولتها المحاكم الإسرائيلية بين 2004 و2016، وجرت في غالبيتها إدانة المتهمين، وفُرضَت غرامات مالية باهظة عليهم بسبب قطف الزعتر أو العكوب أو حيازتهما بكميات متفاوتة قد تقلّ أحياناً عن كيلو واحد. ومن غير المستغرب أن كل المتهمين والمتهمات في هذه القضايا كانوا فلسطينيين، وفق إغبارية. أما الإسرائيليون، الذين تشير استطلاعات إلى أنهم يقطفون «النباتات المحمية»، مثل شقائق النعمان والبرقوق، فلم يظهر أنهم حوكموا أو اتهموا في قضايا مشابهة.

ما ينفي ادعاءات «سلطة حماية البيئة» الإسرائيلية أنْ لا برنامج عملياً لديها لحماية الزعتر

تُبرز معطيات «سلطة حماية البيئة والحدائق» الإسرائيلية أنه بين 2010 و2016 جرت مخالفة ما يقارب 780 حالة متعلقة بقضايا قطف الزعتر، صُنّفت في غالبيتها المطلقة على أنها قطف بكميات صغيرة تقلّ عن عشرة كيلوغرامات (في ما يقارب عشر حالات ضُبطت كمية كبيرة تزن طناً واحد)، أي إن غالبية الحالات لم تكن للتجارة ولا «محاربة البيئة»، بل لاستخدامات الأكل والتموين. في هذه الحالات، تتولى «الشرطة الخضراء» الإسرائيلية التابعة لوزارة حماية البيئة تطبيق «القانون» جنائياً، ومن صلاحيات هذه الشرطة: تسليم مستندات الغرامة المالية فوراً، وإدارة التحقيق الجنائي ضد «المخالفة للقوانين البيئية» (ضمنها قطف الزعتر)، وتقديم لوائح اتهام جنائية في حالات لم تكتفِ فيها السلطة بغرامة مالية اعتيادية، وتسليم الأمر الإداري بحظر الاستعمال بالسيارة المرتبطة بالمخالفة، وأيضاً مصادرة الأمتعة التي ساعدت في «المخالفة».
على هذه الخلفية، يظهر أن حجة «الاهتمام بالبيئة وحمايتها» ليست سوى غطاء لفعل سياسي قمعي، وتحويل عادة وتقليد إلى أداة تُستخدم في هذا السياق. والدليل على ذلك، ما قالته مارغريتا فالتشيك، وهي عالمة البيئة في قسم العلوم التابع لـ«سلطة البيئة والحدائق» الإسرائيلية: «من الصعب أن نقدّر مدى نجاح سلطة حماية البيئة والحدائق في حماية هذه النباتات». وأضافت فالتشيك، لصحيفة «هآرتس» العبرية، أن هذه «السلطة» المهتمة بحماية النباتات «لا يوجد لديها خطة ولا برنامج مراقبة عملي» أصلاً.