في العراق، تذكّي التحقيقات الرسمية نار الصراعات السياسية. أخصامٌ يحاولون استثمارها وفق مصالحهم، تحقيقاً لمكاسب أو تصفيةً لحسابات. من سقوط الموصل و«مجزرة سبايكر»، وصولاً إلى «غرق العبّارة»، كلّها إشاراتٌ على حجم الفساد المستشري شمالاً، كحال الدولة ومؤسساتها العاجزة عن فرض حضورها. الساسة غارقون في صراعاتهم، والشعب دوماً ما يدفع الثمن.

بعيداً عن هدوء إجازة ذكرى الإمام الكاظم الذي تعيشه العاصمة بغداد، ثمة حراك سياسي نشط شمالي البلاد. حراك هو أشبه بجمر تحت الرماد، حرّكته «عبّارة الموت» في مدينة الموصل (21 آذار/ مارس الماضي)، باعثة تنافساً سياسياً للإمساك بقرار محافظة نينوى ومدينة الموصل على حدٍّ سواء، أمنياً وسياسياً.
قبل أيام، قدّم 78 نائباً طلباً إلى رئاسة البرلمان لتشكيل «لجنة تقصي حقائق لبحث ملابسات مذبحة سبايكر» (حزيران/ يونيو 2014)، التي ارتكبها تنظيم «داعش» بحق منتسبين إلى القوات الأمنية، إلى جانب حالات هدر المال العام إبّان حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي (2010 ـــ 2014). وتصدّر هذا التحركَ يوسف الكلابي، النائب عن «ائتلاف النصر»، المتحالف مع «سائرون»، و«الحكمة»، و«القائمة الوطنية»، علماً أن هذه القوى مجتمعةً تتهم المالكي وحكومته بـ«إنفاق مبالغ مالية ضخمة خارج الضوابط المعتمدة في مشروع الموازنة الاتحادية في عام 2014»، وذلك «لتنفيذ مشاريع خدمية واقتصادية وهمية في المحافظات الشمالية والغربية، التي سقطت بيد التنظيم في ذلك العام». وكان «سائرون» دعا، العام الماضي، إلى فتح تحقيق شفاف في أسباب سقوط الموصل بيد «داعش»، وإدانة كل مسؤول عن تلك الحادثة، في موقف فُسّر آنذاك بـ«محاولات القضاء على حضور المالكي». تفسيرات تحضر اليوم مجدداً، على خلفية استمرار الخلاف الحادّ بين زعيم «ائتلاف دولة القانون» وكلّ من حيدر العبادي ومقتدى الصدر، والذي لا يبدو أن حلّه «وارد حالياً»، على رغم المحاولات الجدية لرأب الصدع بين المالكي والعبادي من جهة، والمالكي والصدر من جهة أخرى.
مصدر نيابي في «تحالف الفتح» (بزعامة الأمين العام لـ«منظمة بدر» هادي العامري) يضع مقترح «النصر» في سياق تنافس متجدد يلوح في الأفق بين المالكي والعبادي. ويقول المصدر، في حديثه إلى «الأخبار»: «في العراق، يجب أن نبحث دائماً عن الخلفية السياسية لأي قرار أو خطوة مفاجئة». وإن أكدت حادثة غرق العبّارة «ضرورة إجراء تحقيقات رسمية برلمانية»، إلا أن السبب الرئيس لنبش كل الملفات المتصلة بمدينة الموصل هو «الخلاف الحاد والخفي بين المالكي والعبادي على منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية»، بحسب المصدر، الذي يضيف أن السباق «حامٍ» بين الرجلين لنيله، مع عزم «تحالف البناء» (المالكي والعامري، إلى جانب رئيس «المشروع العربي» خميس الخنجر) ترشيح المالكي، في وقت تؤكد فيه تقارير إعلامية أن «الإصلاح» لن يقبل بتولي المالكي المنصب مجدّداً، «بل يميل إلى إسناده للعبادي، كتعويض عن خسارته لمنصب رئاسة الوزراء»، وهو ما تنفيه مصادر «الحكمة»، مشيرة في حديثها إلى «الأخبار» إلى أنه «ما من حديث مماثل في الآونة الأخيرة».
وعلى خطّ التحقيقات النيابية، والتي يبدو أن نتائجها تصبّ دائماً في «بازار» الاستثمار السياسي، فقد سبق أن أصدر البرلمان، الشهر الماضي، تقريراً حول «تقصي الحقائق في مدينة الموصل»، وُضع هو الآخر ضمن مساعي القوى السياسية إلى تصفية حساباتها من «بوابة الشمال». فالتقرير الذي حذّر من «احتقان طائفي خطير، سبّبته الممارسات السلبية وعوامل عدّة... أسفرت عن ظهور بيعة جديدة لداعش، واستنهاض عناصره مجدداً»، لم تتأخر محاولات استثماره لتأليب الرأي العام «الموصلي» على «الحشد الشعبي»، وفق مصدر سياسي «موصلي». وبحسب نواب «البناء»، فإن التقرير كان «مسيساً»؛ إذ ردّ «استشراء الفساد في المدينة» إلى «هيمنة لجان اقتصادية تنتمي إلى الحشد، وتسيطر على المشاريع والأراضي والمزادات». اتهامات تنفيها مصادر قيادية في «الحشد» في حديثها إلى« الأخبار»، لافتة إلى أنه في أكثر من مرة جرى إغلاق مكاتب وهمية تدعي انتماءها إلى «الحشد»، من قِبل «مديرية الأمن»، مضيفة أن «قواتنا متمركزة خارج المدينة، وعلى بعد كيلومترات عدة».
وبالعودة إلى حديث المصدر «الموصلي»، فهو يشير إلى أن المدينة تشهد تمدّداً لقوات «الحشد العشائري»، المدعومة من بعض الشخصيات السياسية كالنائب أحمد الجبوري الذي يقود أخوه موسى «حشد فرسان الجبور»، والنائب عبد الرحيم الشمري الذي يقود أخوه عبد الخالق «حشد النوادر». «حشودٌ»، إلى جانب «حشود» مدعومة من تركيا و«إقليم كردستان»، تنشط في نينوى، وهي «مسؤولة عن عدد لا يُستهان به من العمليات القذرة، من قتل وخطف وسرقة وابتزاز... وما من محاسب لها»، يقول المصدر.