عمان | خلال زيارته الأخيرة لواشنطن، أطلق ملك الأردن عبد الله الثاني «لاءات ثلاث» ضدّ «المسّ بالقدس والوطن البديل والتوطين»، مشدداً على وصف مملكته بـ«المملكة الهاشمية». مواقف تبدو واضحة في خلفيتها الضغوط الممارَسة على عمّان والمتصلة بمشروع «صفقة القرن». وفقاً لمعظم التسريبات، سيفقد اللاجئون في الأردن حقهم في العودة نهائياً، أي سيجري توطينهم واعتبار المملكة وطناً بديلاً لهم. ومع أن السلطات الأردنية جنّست معظم الفلسطينيين على أراضيها مِمَّن يحملون صفة لاجئ أو نازح، وحتى مِمَّن لا يحملون أياً منهما (يستثنى من ذلك نحو 140 ألفاً من أبناء قطاع غزة حصلوا على امتيازات في التملك أخيراً)، إلا أن عمّان تتخوف من تأثير الخلل الديموغرافي على ميزان القوى في حال اعتبار الفلسطينيين أردنيين من أهل الدار لن يعودوا إلى بلادهم الأصلية؛ إذ حينذاك ستفرض الكتلة الفلسطينية محاصصة مغايرة لما هو موجود اليوم، وهذا كابوس التيارات البيروقراطية الكلاسيكية والجديدة التي ستجد نفسها غريبة مرة أخرى في بلادها. وما بين طموح فلسطينيين محسوبين على مراكز قوى فلسطينية موجودة في دول خليجية، وما بين هاجس الشرق أردنيين من «خروجهم من المولد بلا حمص»، لن تجد مؤسسة العرش قاعدة شعبية ستنبري لحماية وجودها، وهي غريبة عن هذه الأرض ولا صفة شرعية لحكمها.

على مستوى الوصاية الهاشمية على الأماكن المقدسة، ومع أنها حالياً تتعلق فقط بمساحة 144 دونماً هي الحرم القدسي، يبدو الملك الحائر والباحث عن تحالفات تخرجه من مأزق الحفاظ على إرث عائلته الضامن لعرشه، حريصاً على الحفاظ على هذه الوصاية. وفي هذا الإطار، جاءت أخيراً زيارته للمغرب لعقد تحالف في الوقت بدل الضائع مع وريث عائلة ملكية علوية، لكن حتى هذا الأخير لن يستطيع مساعدته ما دامت مملكة آل سعود تمتلك فرصة سحب البساط من تحت الهاشميين، وكأن الخلاف على الزعامة في الحجاز انبعث من جديد. والجدير ذكره، هنا، أنه على رغم التطبيع الرسمي الأردني الكامل مع الاحتلال، إلا أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة بقيت دائماً من أولويات النظام. ذلك أنها بحدّ ذاتها إحدى ركائز الحكم، ولا سيما أنها عُقدت وفق مبايعة للشريف حسين بن علي عام 1924، أي بعد ثلاث سنوات من تأسيس «إمارة شرق الأردن»، ومن بعد ذلك كانت مدخلاً لضمّ الضفتين عام 1950. ومع أنه جرى فك الارتباط مع الضفة المحتلة عام 1988، إلا أن الوصاية ظلّت بنداً أساسياً، حتى إن القدس تُعامل لغاية اللحظة ــ وفق قانون البلديات الأردني ــ معاملة العاصمة عمّان، إذ هناك أمانتان في بلديات الأردن: أمانة العاصمة، وأمانة القدس.
اللافت أن طرفَي الانقسام الفلسطيني، «فتح» و«حماس»، يشددان على دعمهما الوصاية الهاشمية. دعمٌ يبدو في إطار سياسي مفهوم، يمسّ مباشرةً حدود الدولة الفلسطينية التي اتفقت أخيراً معظم الفصائل التي اجتمعت في موسكو (عدا الجهاد الإسلامي) على حدودها، وهذا أمر متوافق عليه مع الأردن الذي يدعم في العلن حلّ الدولتين وإقامة دولة فلسطينية حدودها الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية. ومن شأن تمكّن عمّان من إحداث اختراق في ملف الوصاية المستهدفة إنعاش السلطة الفلسطينية المحتضرة، التي كانت قد دخلت في تحالف هشّ مع عمّان منذ عام 2013، عندما أُبرمت اتفاقية يتولى الأردن بموجبها «متابعة مصالح الأماكن المقدسة ورعايتها في القدس، خاصة في الحرم القدسي» مع الاعتراف بوضوح بالوصاية الهاشمية، أي إنه بشكل استباقي رُمي ملف بهذا الثقل إلى المملكة التي تلتزم معاهدة وادي عربة. والأخيرة تشير النقطة الثانية من مادتها التاسعة، المعنونة بـ«الأماكن التاريخية والدينية وحوار الأديان»، إلى أن إسرائيل «تحترم» الدور الحالي الخاص للمملكة في الأماكن الإسلامية في القدس، ما يعني إسقاط الأماكن المسيحية من أي اتفاق. وتنتهي النقطة بأن تل أبيب «ستعطي» أولوية للدور الأردني في مفاوضات الوضع النهائي، وبذلك لا تعترف بالوصاية الهاشمية بمفهومها الأردني وحتى العربي، بل شرطت الأمر بمنح الأردن سلطة على أماكن محددة في القدس وليس في الحرم القدسي.
وعلى رغم حساسية هذا الموضوع بالنسبة إلى المملكة، وإدراك كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ذلك، إلا أن عمّان تواصل انتهاج أسلوب «الكياسة الدبلوماسية». كان بإمكان الأردن، مثلاً، ممارسة ضغوط أكبر على تل أبيب عبر استدعاء السفير، أو تجميد العمل باتفاقية الغاز السرية التي رفضها أخيراً مجلس النواب ورماها على طاولة المحكمة الدستورية لتبتّ فيها وسط تمسك حكومي بها من باب دفع الشرط الجزائي البالغ 1.5 مليار دولار، لكن هذه المسارات بالذات ـــ على انخفاض سقفها وعدم تجاوزها للبديهيات ــــ لا تزال السلطات تتجنب خوضها، مع أن الحالة الشعبية ستتفجر حينئذ إيجاباً، فيما ستكون صعبةً عودة الأمور إلى مجاريها مع إسرائيل التي لا يهمها أن تمارس الابتزاز حتى مع أقرب حلفائها في المنطقة. من هنا، يرى البعض أن أي تصريحات علنية داعمة لوصاية الهاشميين على القدس لا يمكن أخذها بجدية؛ فالقوم في السر غير القوم في العلن، وما دامت عمّان قد تبعت في تحالفاتها راية واشنطن، فأي معركة لكسب شرعية الوصاية على القدس من دون موافقة الأميركي، معركة مع طواحين الهواء.