تسارع التطورات الذي أفضى إلى استقالة عبد العزيز بوتفليقة كشف طموحات مجموعات المصالح المختلفة التي استغلت سياق الأزمة السياسية لمحاولة إعادة تشكيل مراكز القرار، بعد سيطرة أوساط الرئاسة عليها لسنوات عدة. يعتقد الاقتصادي الجزائري، أحمد هني، أن الذي سهل حركة هذه المجموعات هو «شغور مركز القيادة القادر على الأمر بالقمع، وحيادية قوى حفظ النظام». يرى هني أن «الجيش، الذي أساء بوتفليقة معاملة بعض قادته، أراد أن يستعيد قدرته على التأثير على موقع الرئاسة قبل اختيار رئيس جديد»، معتبراً أن «عودة رموز معينة إلى المشهد، كالجنرال توفيق (محمد مدين) مثلاً، أشّرت إلى وجود مداولات تهدف إلى التأكيد على وحدة المؤسسة العسكرية لضمان احتكارها للريع النفطي، واستمرار الهيمنة الجماعية للمجاهدين القدامى على النظام. وقد أكد الجنرال والرئيس الأسبق، إليامين زروال، أن توفيق، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات وصانع الملوك منذ 1991، اتصل به للمشاركة في مبادرة سياسية»، تقوم على فكرة أن يترأس هو هيئة مكلفة بإدارة العملية الانتقالية، بالتوافق مع الأخ الأصغر لرئيس الدولة السعيد بوتفليقة.

تسارعت بعد ذلك، برأي هني، دينامية الأحداث، وأظهر الجيش وحدته خلف قايد صالح، حاسماً موقفه بدفع بوتفليقة إلى الرحيل، ومُحيّداً شبكة أصحاب المصالح المرتبطة به، من دون أن يلبي طموحات جماعات المصالح الأخرى ومطامعها.
«هل نتجه إلى تشكيل هيئة رئاسية جماعية شبيهة بالمجلس الأعلى للدولة الذي أُسِّس عام 1992، يجمع ما بين ممثلين عن الجيش والمناطق وأوساط الأعمال والمؤسسة الدينية؟»، يتساءل هني، لافتاً إلى أن الملاحقات القضائية التي وافقت عليها قيادة الجيش، والتي استهدفت رجال أعمال محسوبين على الرئاسة كعلي حداد وكريم كونيناف، قد تدفع إلى الاعتقاد بأن رأسماليين بلغوا مصاف العالمية في الدول الغربية كإيسعد ربراب يقفون خلف هذه الإجراءات. لكن الوقائع لا تدعم مثل هذا الاعتقاد بنظره، فالمراحل التي يسود فيها شلل السلطة المركزية «تدرج خلالها صناعة أكباش المحرقة، وتكثر فيها المبادرات الفردية لموظفين من دون توجيهات عليا من مؤسساتهم. لم تمنع الأوضاع الحالية الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة، مثلاً، من تنظيم سفر وفد رجال أعمال إلى موسكو للمشاركة في الاجتماع الثاني عشر لمجلس الأعمال العربي ــــ الروسي المنعقد في العاشر من الشهر الحالي».

يستمر الحراك الشعبي في المطالبة برحيل النظام بأكمله


وفي سياق احتدام الصراعات بين جماعات المصالح السياسية ــــ المالية الحالي، والذي تتعزز فيه إرادة تصفية الحسابات مع الأوساط المحسوبة على الرئاسة، يستمر الحراك الشعبي في المطالبة برحيل النظام بأكمله، بمن فيه رئيس هيئة أركان الجيش. هذا الأخير ساند علناً، ولفترة طويلة، جميع انحرافات السلطة الرئاسية، حتى بعد التظاهرة الأولى، قبل أن يعيد تموضعه ويؤيد المطالب الشعبية. وقد بدأت رموز إعلامية، حتى ولو لم تكن محطّ إجماع، تحظى بشعبية متصاعدة بين المتظاهرين، كالمحامي والنائب السابق عن «جبهة القوى الاشتراكية» والرئيس السابق لـ«الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان»، مصطفى بوشاشي، الذي حصل على دعم مالي من منظمات غير حكومية قريبة من الحكومة الأميركية، كما أظهرت التقارير المالية لـ«الوقفية الوطنية للديموقراطية» المرتبطة بالخارجية الأميركية. ينطبق الأمر نفسه أيضاً على كريم طبو، الأمين العام السابق لـ«الجبهة»، الذي يبرر إشراك رموز من «جبهة الإنقاذ الإسلامية» المنحلّة والمسؤولة المباشرة سياسياً عن المجازر التي ارتُكبت خلال العشرية السوداء. تثير الشعبية المتزايدة لهاتين الشخصيتين، بفعل خطابهما الجذري في ظلّ مناخات حماسة ثورية قريبة من الهستيريا، وعلى رغم علاقتهما مع فرنسا والولايات المتحدة والمنصّة الإعلامية التي يملكها ابن الشيخ عباسي مدني، القائد السابق لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ»، في قطر، تساؤلات عن استراتيجيات التأثير على الشارع الجزائري المعتمدة من قِبَل قوى خارجية.
أما في ما يخصّ تطورات الأزمة، ومع تمسك قيادة الجيش بانتقال دستوري، فإن رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان)، عبد القادر بن صالح، المقرَّب من بوتفليقة، مرفوض من قِبَل الشارع الذي يطالب بتغيير النظام. بالنسبة إلى أستاذ العلوم السياسية، محمد هناد، من الممكن جداً أن يكون الخلاف بين قيادة الجيش والشارع قد بدأ منذ استقالة الرئيس. فالطرف الأول يبقى متمسكاً بالحل الدستوري، بينما يشترط الطرف الثاني تغيير النظام كله. ومع ذلك، يضيف المتحدث، فإن إشارة قائد الأركان، في كل مرة، إلى تطبيق المادتين الدستوريتين 7 («الشعب مصدر السلطة») و8 («السلطة التأسيسية ملك للشعب»)، إلى جانب المادة 102 المثبتة لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية، يمكن أن تدل (أي الإشارة) على استعداد القيادة العسكرية لإيجاد حل توافقي. «ومهما يكن من أمر، فإن خلافة الرئيس المستقيل من طرف رئيس مجلس الأمة، عبد القادر بن صالح، بنص الدستور، ستلهب الشارع، لأن الرأي العام سيعتبر ذلك مجرد صفقة جرت على حسابه على مستوى السلطة. على أي حال، سيكون هناك الكثير من عمليات شدّ الحبال، ويجب أن ننتظر القرار الذي سيتم اتخاذه بعد اجتماع البرلمان (بغرفتيه) لتأكيد حالة الشغور»، يضيف هناد.
أما بخصوص التطورات السياسية التي شهدتها الجزائر منذ بداية الحراك الشعبي، فهو يرى أنها تدل على أن الأمر لا يتعلق بمجرد حالة شغور منصب رئيس الجمهورية، بل بمرحلة انتقالية هدفها إقامة جمهورية جديدة، بقيادة سياسية لم تكن معروفة في النظام القديم، يتم تعيينها وفق انتخابات حرة شفافة ونزيهة. فالأوضاع الحالية تؤكد أن الحل سياسي أكثر منه دستوري، ولكن من الأحسن أن يكون هناك دائماً حرص على التحلي بالقيم الدستورية ضماناً لنجاح المرحلة الانتقالية. في رأيه، يجب توخي السهولة في إطلاق عملية تغيير تبدأ بتعيين شخصية توافقية لرئاسة الدولة. ويقترح أن يقوم الرئيس المؤقت، منذ البداية، بحلّ البرلمان (بغرفتيه) والمجلس الدستوري باعتبارهما «وكر التزوير»، ثم يقوم بتعيين حكومة جديدة لتصريف الأعمال، وهيئة سيّدة توكل إليها مهمة تنظيم انتخابات رئاسية والإشراف عليها. كل ذلك، يضيف المتحدث، يجب أن يتم في أقل من سنة «كي لا تتمكن قوى النظام السابق من استعادة زمام المبادرة». أما في ما يتعلق بصياغة دستور جديد، فيرى أنه لعلّه من الأحسن أن يتم النظر في الأمر بعد انتخاب رئيس جمهورية جديد، «تفادياً للمزايدات التي قد تفسد عملية الانتقال».