بتعيينه نائباً أول لعمر البشير، في خطاب أعلن فيه الأخير حالة الطوارئ وحل حكومة الوفاق الوطني (23/2/2019)، كان عوض بن عوف، الذي أدى القسَم للبشير ببزّته العسكرية في اليوم التالي، إحدى أهم الرسائل التي وجّهها الرئيس المخلوع إلى الداخل، بأن المرحلة المقبلة ستتسم بالحسم. خشيةُ البشير من انحياز الجيش إلى الشعب وإسقاط حكمه بانقلاب عسكري، كما حدث أمس، دفعته إلى الاحتماء بالمؤسسة العسكرية، أولاً بتعيين بن عوف بدلاً من بكري حسن صالح الذي لم يغب عن أي تشكيلة حكومية منذ ثلاثين عاماً، وهو آخر عضو في «مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني» التي أتت بالبشير إلى السلطة، وثانياً تعيين محمد طاهر إيلا رئيساً للوزراء، وهو الشخص الوحيد الذي أعلن الرئيس المخلوع صراحة قبل عامين أنه سيدعم ترشيحه للرئاسة.

بتعيين بن عوف، رأى مراقبون آنذاك أن الرجل يُهيَّأ لخلافة البشير، وخصوصاً أن هذا الخيار لم يكن بعيداً عن دوائر القرار في فرنسا وبريطانيا اللتين كانتا قد تحفظتا في مداولات مع الولايات المتحدة، قبيل إدانة البشير وأركان حكمه، حول قرار واشنطن عام 2007 فرض عقوبات على بن عوف على خلفية ارتكابه جرائم حرب في دارفور. ووفق ما تُظِهر وثائق موقع «ويكيليكس» (نشرها في 2013)، كانت الحجة أنه «مسؤول رفيع المستوى بالنسبة إلى النظام»، ولذلك اقترحتا على الأميركيين معاقبة ضباط أدنى رتبة منه، لترك الباب مفتوحاً أمام البشير ليتنازل بالسياسة. لكن الأميركيين رفضوا، فأصبح مجرم حرب ومطلوباً دولياً.
رغم أن البشير ليس بعيداً عن تلك الأجواء، التي كشفت لاحقاً بالتسريبات، لم يكن يتوقع يوماً أن يكون وزير دفاعه ونائبه الأول خلفاً له بانقلاب عسكري، رغم أنه وفق عارفيه «رجل عصبي مزاجي لا يمكن التنبؤ بتصرفاته». مردّ اطمئنان البشير ليس إصرار الأميركيين على إدراج بن عوف في «القائمة السوداء» فحسب، بل ربما لأن الأخير أحد المقربين منه منذ استيلائه على السلطة عام 1989 ضد حكومة الصادق المهدي، وقد أتاح له البشير الفرصة للترقي والتدرج في المناصب العسكرية والسياسية حتى آخر يوم من حكمه.
قرار تعيين وزير الدفاع نائباً أول جاء في إطار سعي البشير إلى «عسكرة السلطة»، والتوجه نحو صبغة تقرّبه أكثر من محور السعودية والإمارات الذي يتحسس من الأنظمة ذات الصبغة الإسلامية. لكن ما كان يخشاه صار على يدي صديقه المعروف بقربه من الرياض، كون بن عوف من أشد المتحمسين لمشاركة القوات السودانية في العدوان على اليمن. وهنا لا تبدو الضربة السعودية لحليفها الذي أرسل آلاف الجنود لدعمها وحيدة، إذ كان قد لجأ إليها في الأزمات منذ 2013. ففي ذلك العام، قرر البشير تحدي موجة شعبية ضده وُصفت بأنها الأوسع جراء أسعار المحروقات بالبحث عن دعم خارجي عام 2014، فقرر التحول إلى المحور السعودي بغية الدعم المالي والمساهمة في إقناع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما برفعَ العقوبات الاقتصادية والتجارية التي فرضتها إدارات أميركية تعاقبت على البيت الأبيض منذ 1997 حتى 2017، مقابل قطع العلاقات مع إيران والمشاركة في اليمن.
لكن النتيجة كانت أن حصل البشير على رفع جزئي للعقوبات، بما لم ينعكس انفراجاً اقتصادياً، كما لم يلقَ دعماً سعودياً مالياً يحتوي الأزمة. فاستمرت الأزمات، وصولاً إلى تظاهرات وعصيان مدني عام 2016 إثر رفع الدعم عن الوقود والكهرباء والأدوية. حينذاك، انسحب الأمر إلى أزمة سياسية حَلّ البشير على إثرها حكومة «الوفاق الوطني» بعد أقل من عام على تشكيلها، وقبل ثلاثة أشهر من الاحتجاجات الجارية. وكما لجأ إلى الدعم الخليجي سابقاً، سعى منذ اليوم الأول إلى استقطاب دعم خارجي، لكن ذلك لم يحل أزمات «النقود والوقود والقوت»، وصولاً إلى ما حدث أمس.
واليوم، لا يستبعد مراقبون أن تعمل السعودية على إطاحة بن عوف لاحقاً، في ظل صراع بين مركزَي القوة في السودان: الجيش الذي يتزعمه بن عوف، والمخابرات التي يتزعمها صلاح قوش، باني جهاز «الأمن القومي». ويبدو الأخير، الذي يصفه مراقبون بـ«سيسي السودان»، مفضلاً لدى أبو ظبي ومصر. وإذا استطاع الشارع إجهاض انقلاب بن عوف، يبقى قوش الذي التقى قبل شهرين مدير «الموساد»، يوسي كوهين، على هامش «منتدى ميونيخ للأمن»، خياراً حاضراً لدى هؤلاء لدعمه، وصولاً إلى هدفهم في اقتلاع جذور «الإخوان المسلمون» من القوات المسلحة والدولة، لقطع الطريق على أي احتمال أن يتعرضوا للابتزاز مستقبلاً، كما فعل البشير في تنويع علاقاته المتناقضة، سواء مع تركيا وقطر، أو أبو ظبي والرياض.