بعد مرور أكثر من عشرة أيام على إطاحة الرئيس عمر البشير بانقلاب عسكري، تبدو فترة الاختبار التي حافظت على «شعرة معاوية» بين تحالف «إعلان الحرية والتغيير» الذي قاد الاحتجاجات منذ أربعة أشهر، و«المجلس العسكري» بنسخته الثانية برئاسة عبد الفتاح البرهان، قد انتهت مع رفض الأخير الاعتراف بالتحالف المعارض ممثلاً شرعياً للحراك الشعبي وتسليمه السلطة، بل واتجاهه إلى أحزاب سياسية كانت ضمن النظام البائد، كان قد تسلم منها أكثر من 120 رؤية للمرحلة الانتقالية.

وبحسب ما تحدث به قياديون في تحالف «إعلان الحرية والتغيير» لوسائل إعلام محلية، ظهرت تفاصيل الاختلاف خلال اجتماع حضرته قوى التحالف مع المجلس العسكري تلبية لدعوة الأخير، على أن تكون أجندته مناقشة مذكرة سلّمها الأول للثاني يوم الأربعاء الماضي، من شأنها نقل السلطة. وفي حين لم يردّ المجلس على المذكرة، مبرراً ذلك بأنه عاكفٌ على اتصالات مع كل القوى السياسية في البلد، أي تلك التي كانت مشاركة في حكم البشير، رفضت قوى «الحرية والتغيير» إشراك قوى سياسية قام ضدها الحراك الشعبي، معتبرة الخطوة استمراراً للنظام بوجه آخر، ومحاولة للالتفاف على مطالب الشعب. ووصف عضو التحالف، الطيب العباسي، خطوة المجلس العسكري بـ«الحوار الوطني 2»، في إشارة إلى الحوار الذي أجراه البشير عام 2014 وقاطعته قوى سياسية ذات ثقل وبعض الحركات المسلحة، بينما شارك فيه أكثر من 100 حزب وحركة مسلحة أخرى.
وفي حين يعمل تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» وفق وثيقة دستورية انتقالية تتألف من «مجلس رئاسي مدني» يضطلع بالمهام السيادية في الدولة، و«مجلس تشريعي مدني» يقوم بالمهام التشريعية الانتقالية، و«مجلس وزراء مدني مصغّر» من الكفاءات الوطنية يقوم بالمهام التنفيذية للفترة الانتقالية، فهو أجّل على إثر خطوة «العسكري» إعلان أسماء أعضاء «المجلس الرئاسي المدني» إلى الخميس المقبل، عوضاً عن أول من أمس الأحد كما كان مقرراً، إذ كان قد تمكّن بحسب ما يؤكد أعضاؤه من تسمية رئيس الوزراء والمجلس السيادي المؤلف من 12 عضواً، منهم أربعة عسكريين والبقية مدنيون يمثلون أقاليم البلاد الستة مع تمييز لمناطق النزاعات.

حذر «المجلس العسكري» المتظاهرين والمعتصمين من غلق الطرق


ودفعت خطوة المجلس العسكري، التحالف المعارض، أيضاً، إلى تعليق التفاوض في شأن المرحلة الانتقالية، وإعلان أنه ماض في اتجاه العودة إلى الشارع بمواكب احتجاجية تطالب بتسليم السلطة إلى حكومة مدنية. لكن بحسب أحد الأعضاء في «قوى الحرية والتغيير»، لم يعلَّق الحوار بشكل كامل، يب عُلّق مع اللجنة السياسية بقيادة رئيسها الفريق عمر زين العابدين، وقد بات إبعاده من المجلس، مع الفريق جلال الدين الشيخ، والفريق شرطة الطيب بابكر، أحد مطالب الحراك الشعبي.
عودة الزخم إلى الحراك الشعبي من جهة، وعزم المجلس العسكري على تجاهل قادة وممثلي الحراك الشعبي من جهة ثانية، تطور يفتح الباب على مصراعيه لتصعيد غير معلوم النتائج بحسب مراقبين، في ظل تحذير «العسكري» المتظاهرين، لا سيما المعتصمين أمام مقر قيادته منذ أكثر من أسبوعين، من غلق الطرق و«السيطرة على حركة المواطنين»، واعتباره أن لجان الحماية المؤلفة من المعتصمين لمهام أمنية على الطرق المؤدية إلى ساحة الاعتصام (تشمل التفتيش وتنظيم دخول الحشود وخروجها) باتت تمارس «دور الشرطة والأجهزة الأمنية، في تخطّ واضح للقوانين واللوائح»، ما ينذر باحتمال تحريك المجلس، المؤسسة العسكرية، ضد آلاف المحتجين الذين يغلقون الطرق المؤدية إلى شارع القيادة العامة وسط الخرطوم، وجسر النيل الأزرق، وخط السكة الحديد المؤدي إلى محطة القطارات الرئيسية في الخرطوم بحري. لكن ذلك بحسب المتحدث باسم قوى «إعلان الحرية والتغيير»، شهاب إبراهيم، قد «يؤدي إلى شرخ في الجيشـ نسبة إلى تأييد صغار الضباط (للاعتصام)»، رغم إعلان رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان في وقت سابق التزامه بعدم فضّ المعتصمين بالقوة.
وفي حين يتمسك قادة الاحتجاج الشعبي بضرورة انتقال الحكم إلى سلطة مدنية، والمجلس العسكري الانتقالي برفض ذلك حتى الآن، من المنتظر أن تنعقد قمة أفريقية في القاهرة اليوم الثلاثاء، برئاسة عبد الفتاح السيسي، الذي يرأس حالياً «منظمة الاتحاد الأفريقي»، بغية «التباحث حول أنسب السُبل للتعامل مع المستجدات الراهنة... وكيفية المساهمة في دعم الاستقرار والسلام هناك»، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية. كما أعلنت الرياض وأبو ظبي، أول من أمس، أنهما وافقتا على تقديم حزمة مشتركة من المساعدات للمجلس العسكري، حجمها ثلاثة مليارات دولار، في خطوة يراد لها أن تمثل طوق نجاة للقادة العسكريين المقرّبين من محور السعودية ــــ الإمارات ــــ مصر.