قرار المشير خليفة حفتر، بدفع من المحور الإماراتي ـــ السعودي ـــ المصري، حسْمَ الصراع الدائر في ليبيا عسكرياً لمصلحته، ارتبط بقناعته وحلفائه بأن جملة تطورات محلية وإقليمية ودولية جعلت هذا الخيار ممكناً. فالانقسامات التي برزت في الفترة السابقة بين القوى الموالية لحكومة الوفاق في طرابلس، والتحول في الموقفين الأميركي والروسي، بالإضافة إلى الانكفاء التركي والجزائري ـــ لأسباب داخلية في البلدين ـــ عن الساحة الليبية، جميعها عوامل أسهمت في تعزيز الاعتقاد بقدرة حفتر والمحور الداعم له على تحقيق نصر سريع، والسيطرة الكاملة على البلاد، لكن ذلك لا يبدو قابلاً للتحقق.

يرى مصدر واسع الاطلاع على الشأن الليبي، في حديث إلى «الأخبار»، أنه حتى في أفضل السيناريوات بالنسبة إلى خليفة حفتر، وهو تدخل مكثف لطيران دول المحور إلى جانب قواته، فإن ذلك «قد يسمح بسيطرته شكلياً على العاصمة، ولكن الحرب ستستمرّ في أرجاء البلاد». عدم حصول مثل هذا التدخل يفتح الباب أمام سيناريوات أخرى، بينها احتمال انكسار الهجوم وعودة قوات حفتر إلى الشرق واتجاه الأوضاع نحو تقسيم ليبيا. ولا شك في أن التعقيد الشديد للواقع الاجتماعي ـــ السياسي هناك، وطبيعة مشروع حفتر «التوحيدي»، وقوى محور الثورة المضادّة التي ترعاه، هي من بين الأسباب الرئيسة التي تحول دون نجاحه.
يصعب فصل الحرب التي يشنها حفتر على حكومة الوفاق عن الهجوم المضاد الذي بدأه المحور الإماراتي ـــ السعودي ـــ المصري في أكثر من ساحة، لفرض هيمنته على قسم واسع من العالم العربي. يرى المصدر الواسع الاطلاع أننا «أمام مسعى لإعادة تشكيل ما سمّي قبل الثورات العربية محورَ الاعتدال، أي تحالف دول النفط مع أنظمة الحلّ الأمني، مع انضمام إسرائيل إليه». كما يبدو، بحسب المصدر، أن «فرض هيمنة هذا المحور على الإقليم، كقوة وكيلة للولايات المتحدة، هو أحد الأهداف الكبرى لصفقة القرن، تماماً كما كانت عملية التسوية، من المنظور الأميركي والإسرائيلي، مدخلاً لبناء الشرق الأوسط الجديد». كما أن التأييد الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لحفتر، والذي يقطع مع مواقف وزارة الخارجية الأميركية و«البنتاغون»، المتحفّظة على الخيار العسكري، مؤشر إضافي على أن عرّابي محاولات هندسة الإقليم للمرة الثانية ـــ أي الفريق الذي يضمّ ترامب، كوشنير، بولتون، نتنياهو، بن زايد، بن سلمان، والسيسي ـــ يعملون يداً بيد، رغم وجود اعتراضات من بعض الأطراف الأميركية والأوروبية.

من دون دعم جوي ستتراجع قوات حفتر نحو الجيوب التي سيطرت عليها في الغرب


قرار الحرب في ليبيا ارتبط بتقدير لموازين القوى انطلق من تطوّرين بارزين: هما افتقاد حكومة الوفاق للظهير الخارجي الفاعل، والانقسامات التي سادت في مرحلة سابقة بين القوى الموالية لها. تمتّعت هذه الحكومة، والمجموعات السياسية ـــ العسكرية المؤيّدة لها، بدعم تركي ـــ قطري، وكذلك جزائري، قُدّم بعيداً عن الأنظار. يقول المصدر الذي تحدّث لـ«الأخبار»: «قبل بداية الحرب الحالية، شهدنا انكفاءً تركياً ـــ قطرياً عن ليبيا، بسبب التحديات التي واجهها البلدان، كالحصار على قطر، والضغوط والمشكلات المتزايدة التي تتعرض لها تركيا وحكومة العدالة والتنمية، وآخرها نتائج الانتخابات البلدية التي لم تكن مرضية بالنسبة إليها. كذلك يُقرّ قادة المجموعات المسلحة في الغرب الليبي الموالية لحكومة الوفاق بتراجع المساعدات العسكرية الخارجية، خاصة الإمداد بالذخائر». الوضع نفسه ينطبق على الجزائر التي لم تعد لاعباً على الساحة الليبية؛ «فهي كانت تساند مجموعات في الشمال الغربي، كالزنتان والأمازيغ، وتوقفت عن ذلك»، بحسب المصدر الذي يضيف: «أما في الجنوب الغربي، فقد أدّى توقف دعمها لقبيلتَي أولاد سليمان والمقارحة، المحسوبتين على النظام السابق، إلى قيامهما بتغيير ولائهما والانضمام إلى معسكر حفتر». كذلك قطعت دولة الجزائر دعمها عن الطوارق الذي عُدّ أحد قادتهم، علي كنه، رجل الجزائر في الجنوب الغربي، والذي «تحرك لصدّ حفتر، لكنه فشل في ذلك وتراجع بسبب غياب الدعم». وحصل الأمر عينه مع قبائل التبو «التي قاتلت حفتر وهزمت تكتيكياً». هذه المعطيات جميعها عزّزت الاعتقاد لدى المشير وقيادته بسهولة تحقيق الانتصار ميدانياً.
معطى آخر، يذكره المصدر واسع الإطلاع، أسهم بدوره في تعزيز هذا الاعتقاد، هو «الخلافات السياسية التي كانت سائدة بين قوى رئيسة في الغرب الليبي، والتي أتاحت له فرصة استمالة بعضها، كقبيلة ترهونة مثلاً (وترهونة هو اسم المدينة التي تقطنها القبيلة)، ومدن ساحلية كصبراتة وصرمان والعجيلات». وهو يذكر أن «إقليم طرابلس، أي الغرب الليبي، يشكّل من ناحية المساحة 30% تقريباً من التراب الوطني، ويضمّ أكثر من 60% من السكان، وتتمركز فيه أهم مؤسسات الدولة وشركاتها، كالبنك المركزي وشركة النفط الوطنية وشركات الكهرباء والماء والمؤسسات الحكومية... إلخ». كذلك إن «أهم قوة عسكرية في الغرب هي مدينة مصراتة التي تمتلك قوة عسكرية كبيرة»، هي «البنيان المرصوص»، أي تحالف الكتائب التي شاركت في العملية التي حملت الاسم نفسه ضد «داعش». تليها الزنتان، وهو اسم القبيلة والمدينة أيضاً، المنقسمة اليوم بين أقلية وازنة والت حفتر، وأغلبية مؤيدة لحكومة الوفاق. هناك أيضاً المجموعات المسلّحة الطرابلسية، وهي ميليشيات محلية في أحياء المدينة، وكذلك قوات مدينة الزاوية. مع العلم أن سلطة حكومة فايز السراج على هذه المجموعات كانت ضعيفة سابقاً، وقد اندلعت نزاعات بين بعضها، وبات قطاع معتبر من الرأي العام غاضباً منها. غير أن الهجوم الذي شنّه حفتر قد وحّد هذه القوى والمجموعات، وظهر ذلك جلياً من خلال قدرتها على وقف هذا الهجوم بعدما حقّق تقدّماً محدوداً في بداياته.
المشهد الميداني اليوم تغلب عليه المراوحة منذ أسبوعين بين كرّ وفرّ من الجهتين، ولم يستطع حفتر تحقيق أي إنجاز عسكري جدّي، ولا أيّ انقلاب في ولاءات مجموعات طرابلس، أو حتى مجموعات بني وليد، الموالية للنظام السابق، أو الزاوية. وقد انضوت أهم مجموعات الغرب العسكرية تحت قيادة غرفة عمليات «بركان الغضب» للدفاع عن العاصمة. وعاد الانسجام بين الحكومة بقيادة السراج، ووزير الداخلية فتحي باشاغا. لم ينجح حفتر إذاً، «على الرغم من أن لديه غرفتين للعمليات، واحدة تضم إلى قياداته العسكرية نظراء لهم إماراتيين ومصريين وفرنسيين، وأخرى من الممكن تسميتها غرفة الهندسة القبلية وهي تجمّع خبراء عملوا لحساب النظام السابق وظيفتها اكتساب ولاء القبائل، في تحقيق نصر سريع رغم مبادرته بالحرب»، بحسب ما يقول المصدر المتحدّث الى «الأخبار». ووفق المصدر نفسه، فإن «حفتر، رغم كونه من مدينة ترهونة في الغرب، يستند إلى عصبية قبائل إقليم برقا، أي الشرق الليبي». وأبرز هذه القبائل هي «العواقير والدرسة والعبيدات والمغاربة، وهي القوة المقاتلة الأساسية في جيشه». ويعتبر أهل الإقليم أنهم «ضحايا لظلم تاريخي، فقد أدّوا دوراً مركزياً في النضال من أجل الاستقلال»، إذ إن عمر المختار من الشرق، وكذلك الملك إدريس، ولكن إقليم طرابلس استأثر بالسلطة والثروة. ويشير المصدر إلى أنهم «يوالون حفتر بناءً على مقايضة، وهي تصحيح الظلم المشار إليه، واحتلال الشرق للموقع الذي يستحقّه في أي نظام سياسي سينشأ لاحقاً»، قبل أن يستدرك بالقول: «لكنهم يقاتلون اليوم خارج إقليمهم، وإن لم يتحقّق الانتصار بسرعة، وما يرافقه من مكاسب، فإن المقايضة بينهم وبين حفتر تصبح مهدّدة».
تظهر الوقائع الميدانية أن الشرط الحاسم لتقدم قوات حفتر هو حصولها على دعم جوي من الدول الحليفة. ومن الظاهر أن الأمور تتطوّر في هذا الاتجاه بعد المواقف الأميركية والتأييد الفرنسي والدعم الروسي. ولكن، يرى المصدر، أنه «حتى لو تمكّنت قواته من الدخول إلى العاصمة، فإن مجموعات المعارضة ستقاتله في محيطها وفي أنحاء البلاد الأخرى ولفترة طويلة جداً». ويضيف: «من دون دعم جوي، ستتراجع قوات حفتر نحو الجيوب التي سيطرت عليها في الغرب، وتستمرّ في محاولاتها لتكرار هجماتها، وفي محاولاتها شراء ولاءات قبائل أخرى. أما في حال نجاح حكومة الوفاق في شنّ هجوم مضاد لطرد قوات حفتر من الغرب، فإن هذه الأخيرة ستتقهقر إلى الشرق وسيصبح خيار بناء مؤسسات دولة موازية لتلك القائمة في الغرب، أكثر احتمالاً مع ما يعنيه ذلك من شرعنة تقسيم ليبيا».