الخرطوم | بعد محاولاته تجاهل قيادتها للحراك الشعبي، استطاعت قوى «إعلان الحرية والتغيير» فرض نفسها على «المجلس العسكري» وإجباره على التنازل عن الكثير من قراراته، ما دفعه إلى الاجتماع بها من جديد، في تجاهل إضافي لبقية قوى المعارضة، التي بدأت تتذمر من الاجتماعات المغلقة. لكن علاقات «المجلس» الخارجية المشبوهة، ولا سيما مع السعودية والإمارات ومصر، لا تبدو هي محلّ الخلاف الأبرز معه بالنسبة إلى قوى «الحرية والتغيير»، التي لم تضع من بين شروطها التفاوضية وقف استفراد «العسكري» بالملفات الخارجية كالمشاركة في حرب اليمن، بل اشترطت فقط إقالة أعضاء فيه حاولوا الالتفاف عليها.

أجبر تمسّك قوى «إعلان الحرية والتغيير» بمطالبها، واستمرارها في الضغط على المجلس العسكري من خلال تعليق المفاوضات، ودعوة المعتصمين إلى عدم مفارقة الميدان، رئيس المجلس عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، على دعوتها إلى الاجتماع من جديد في القصر الجمهوري أمس، حيث رضخ الرجلان المقربان من محور السعودية والإمارات ومصر لمطالب كانت تلك القوى قد اشترطت تنفيذها قبل الدخول في التفاوض حول الترتيبات الانتقالية، وتمثلت في الاعتراف بدورها في هذه الترتيبات كممثلة للحراك الشعبي، وإقالة بعض أعضاء المجلس، بينما بقيت مطالب أخرى كُوّنت لها لجنة مشتركة للتباحث حولها والوصول إلى منطقة وسطى في شأنها.
ووصف الناطق باسم قوى «الحرية والتغيير»، الاجتماع، بـ«الإيجابي»، مشيراً إلى أنه تم الاتفاق على تشكيل لجنة لدرس الترتيبات العملية، وصلاحيات الأجهزة والهياكل المختلفة، فيما تحدث الناطق باسم «المجلس»، شمس الدين كباشي، في المؤتمر الصحافي الذي عُقد عقب الاجتماع، عن كثير من أوجه الاتفاق بين الجانبين، لافتاً في الوقت نفسه إلى نقاط خلاف قال إنها ليست كثيرة، وبالإمكان التوافق حولها، معلناً تكوين لجنة مشتركة لبحثها من دون أن يبين ماهيتها. ويأخذ محللون، من بينهم رئيس تحرير صحيفة «التيار» السودانية، عثمان مرغني، على الطرفين عدم كشفهما تلك النقاط. ويرى مرغني، في تصريح إلى «الأخبار»، أنه «كان من المفترض أن يكون الشارع السوداني على علم بالنقاط الخلافية»، متسائلاً عما إذا كان سيتم الاتفاق «على حكم مدني كامل، أم حكم عسكري فيه نكهة مدنية؟».
هذه الإشكالية يبدو، بالفعل، أنها تتصدّر محاور التعارض بين الجانبين، وفق ما يوحي به أيضاً حديث القيادي في «الحزب الشيوعي السوداني»، عضو قوى «إعلان الحرية والتغيير»، صديق يوسف، إلى «الأخبار»، حيث يبين أن من بين النقاط الخلافية رغبة البرهان وحميدتي «في الاستمرار كمجلس عسكري، بينما تتمسك قوى إعلان الحرية والتغيير بوجود مجلس سيادي مدني». ويقول إن «الاجتماع أوصى بتكوين لجنة من الطرفين للوصول إلى اتفاق حول كيفية تكوين المجلس، بين أن يكون عسكرياً صرفاً أو مدنياً فيه تمثيل عسكري»، مضيفاً إنهم من ناحية مبدئية «منفتحون على حل وسط».

حذّر الصادق المهدي المجلس العسكري من «انقلاب مضاد» على الحراك الشعبي


وكانت تسريبات لوسائل إعلام محلية، من داخل اجتماع أمس، قد أفادت بأن البرهان أصرّ على أن يكون المجلس مكوّناً من عسكريين، ويستمر كما هو في المرحلة الانتقالية، بمبرر أن السودان يواجه تحديات أمنية كبيرة، بينما تمسكت «قوى الحرية والتغيير» بمطلب تكوين مجلس سيادي مدني يتمثل فيه العسكريون، ومجلس وزراء مدني تنفيذي، ومجلس تشريعي، وحكومة انتقالية مدتها أربع سنوات. والظاهر إلى الآن أنه سيتم التوصل إلى حل وسط ما بين هذين الطرحين، وخصوصاً أن القوى المعارضة تواصل عمليات التحشيد الشعبي بهدف تصعيد الضغوط على «العسكري»، وآخرها أمس تنظيم «مسيرة مليونية» نحو مقرّ قيادة الجيش في الخرطوم.
هذه الضغوط أفلحت، ابتداءً، في دفع المجلس العسكري إلى الاعتراف بالدور القيادي لقوى «إعلان الحرية والتغيير»، بعدما حاول «العسكري» الالتفاف عليها، بإعلانه أنه عاكف على مراجعة أوراق مقترحات قوى سياسية، كانت مشاركة في حكم البشير، للمرحلة الانتقالية. وقد شرع المجلس، عملياً، عبر لجنته السياسية، في لقاء بعض الأحزاب للتشاور معها حول تصوراتها للفترة المقبلة، لكن هذه الاستجابة اصطدمت على الفور برفض من بعض أحزاب المعارضة التي شاركت في الاحتجاجات منذ اندلاعها، كحركة «الإصلاح الآن» بقيادة غازي صلاح الدين، والتي تحتجّ اليوم على تغييبها عن المفاوضات بين «العسكري» و«الحرية والتغيير».
ويعتبر القيادي في «الإصلاح الآن»، أسامة توفيق، أن «انفراد قوى الحرية والتغيير بتشكيل ملامح المرحلة المقبلة سيقود البلاد إلى فتنة سياسية واجتماعية»، مضيفاً إن «ما حصل فيه إقصاءٌ لبقية القوى السياسية التي شاركت في صناعة الثورة». ويقول في حديث إلى «الأخبار»: «هذه ثورة شعب، وتجييرها إلى جهة معينة يعتبر خطأ تاريخياً واستراتيجياً». لكن المحلل السياسي، عثمان مرغني، يختلف مع من يرون ضرورة مشاركة الأحزاب الأخرى مع قوى «الحرية والتغيير» في ترتيب المرحلة الانتقالية، وينصح الأحزاب بـ«الابتعاد عن شق الصف»، مشدداً على أن من الضروري قبول هذه الأحزاب بأن «تكون قوى الحرية والتغيير هي المعبِّر الوحيد عن صوت الشارع السوداني الآن».
يذكر أنه كان من بين شروط «إعلان الحرية والتغيير» لحضور الاجتماع مع «العسكري»، إقالة ثلاثة أعضاء من المجلس متهمين بموالاة النظام السابق، وهم: رئيس اللجنة السياسية الفريق أول عمر زين العابدين، وعضوا اللجنة الفريق أول جلال الشيخ والفريق أول بابكر الطيب، الذين لم يعترفوا بتلك القوى كممثلة عن الحراك الشعبي، علماً بأن هذا المطلب كان المعتصمون في الميدان قد شددوا عليه أيضاً، على اعتبار أن زين العابدين أراد من وجهة نظرهم إعادة إنتاج النظام. وقد جاءت الاستجابة لهذا المطلب سريعة، إذ تم الإعلان عن تقديم هؤلاء الأعضاء استقالاتهم للمجلس، بضغط من الأخير لتحقيق رغبة قوى «الحرية والتغيير».
اليوم، تتجه الأنظار إلى اجتماعات اللجنة المكلفة بالنظر في القضايا الخلافية بين الجانبين. لكن، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق، فإن التحدي الأبرز سيكون شكل الحكومة الانتقالية (هل ستكون من التكنوقراط أم من الحزبيين التكنوقراط؟)، على اعتبار أنها من سيتحمل في النهاية مسؤولية انتشال البلاد من الأزمات السياسية والاقتصادية، وإدارة علاقاتها الخارجية. ويوم أمس، لمّح أحد أكبر القادة المعارضين، الصادق المهدي، إلى أن «المجلس العسكري» سيُعدّ قائداً لـ«انقلاب مضاد» إذا لم يتوصل مع المعارضة إلى اتفاق في شأن تسليم السلطة، وسط ريبة تسود الشارع إزاء علاقات المجلس الخارجية، وخصوصاً مع الرياض وأبو ظبي والقاهرة، وخشية من تشريعه الأبواب أمام الوصاية، ولا سيما منذ أن أعلن استمرار المشاركة في حرب اليمن، على رغم رفض الشارع وقوى المعارضة لذلك.