جوبا | قد تكون دعوة «وساطة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق إفريقيا»، المعروفة اختصاراً بـ«إيغاد»، أطراف اتفاق السلام بين الحكومة والمعارضة، إلى الاجتماع في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في الثاني من شهر أيار/ مايو الحالي، هي الفرصة الأخيرة أمام «الوساطة» لإنقاذ الاتفاق الذي يواجه احتمال الانهيار، خاصة بعدما لوّح فصيل المعارضة الرئيسي بالانسحاب من عملية السلام، إذا ما أصرّ الرئيس سالفا كير ميارديت على المضي قدماً في ترتيبات إعلان تكوين الحكومة الجديدة في الـ12 من أيار/ مايو، الموعد الذي حدّدته اتفاقية السلام، في مقابل مطالبة زعيم المتمردين، رياك مشار، بتمديد عمر الفترة ما قبل الانتقالية، المُقدرة بـ 6 أشهر منذ توقيع الاتفاق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. خَلَق هذا الأمر حالةً من الخوف وعدم الطمأنينة بين المواطنين، الذين بدأوا يستشعرون إمكانية عودة تلك الأطراف إلى القتال مجدداً، إذا لم تُفلح «إيغاد» في نزع فتيل الأزمة وإقناع الحكومة والمعارضة بضرورة التوصل إلى صيغة مرضية للجانبين، تضمن تنفيذ الاتفاق على الوجه الأكمل، خاصة في الجانب المتعلق بعدد الولايات ومسألة القوات المشتركة وكيفية تدريبها لتوفير الحماية لأعضاء الحكومة الجديدة في العاصمة جوبا.

في ضوء ذلك، حذر نائب رئيس المعارضة المسلحة، ونائب رئيس لجنة إدارة الفترة ما قبل الانتقالية، هنري أودوار، في حديث إلى «الأخبار»، من أنه إذا أصرّ الرئيس على المضي قدماً في موقفه، فـ«سننسحب من كافة المفوضيات والآليات المعنية بتنفيذ اتفاق السلام، وسنغادر جوبا لاتخاذ القرار المناسب مع بقية قيادات الحركة الموجودين خارج البلاد». كلام أودوار يأتي رداً على المبادرة التي تقدم بها ميارديت الأسبوع المنصرم لزعيم المعارضة، بدعوته إياه للعودة إلى جوبا من أجل الإسراع في تشكيل الحكومة الانتقالية، لكن مشار لا يزال متمسكاً بموقفه الداعي إلى تأجيل تشكيل الحكومة ستة أشهر، حتى تتمكن الأطراف من إنجاز ملف الترتيبات الأمنية، وبالأخص الجانب المتعلق بتدريب القوات المشتركة وتوحيدها كقوة مشتركة، إلى جانب حسم قضية عدد الولايات من خلال إجراء استفتاء شعبي.

تهدد المعارضة بالانسحاب من آليات اتفاق السلام إذا أصرّ الرئيس على موقفه


ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة جوبا، جيمس أوكوك، في حديث إلى «الأخبار»، أن مسألة إعلان الحكومة أو تأجيلها ليست من اختصاص ميارديت ومشار، معتبراً أن هناك أطرافاً داخلية وإقليمية يجب استشارتها في القضية، التي إن تُركَت للرئيس وزعيم المعارضة، فإنها ستقود إلى أزمة حقيقية في البلاد. وأضاف أن «تأجيل الحكومة أو تكوينها لا يُمكن أن يقرره كير أو مشار، فهناك أطراف أخرى أسهمت في مباحثات السلام التي قادت إلى هذا الاتفاق، إلى جانب الدول الضامنة للاتفاق، كذلك هناك بعض الأطراف الدولية التي يجب أن توضع في الصورة». وأشار أوكوك إلى أن الأطراف الموقعة على اتفاق السلام لم تُنجِز أي شيء يُذكر خلال الفترة ما قبل الانتقالية، «لذلك وجب عليهما البحث عن مخرج لهذه الأزمة التي أدخلوا فيها البلاد».
من جهتها، ناشدت بلدان الترويكا (تضم الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، والنرويج)، الأطراف الموقعة على اتفاق السلام، العمل بروح التنازل لبناء الثقة بين القادة والشعب. وزادت بالقول في بيان وصلت إلى «الأخبار» نسخة منه: «إن أي قرار لتكوين الحكومة في موعدها المحدد في الاتفاق، أو تأجيله، يجب أن يكون بموافقة كل الأطراف». وفي محاولة منها لطمأنة المواطنين في العاصمة جوبا، بعدما دبّ فيهم الخوف خشية انهيار الاتفاق وعودة القتال، اعتبرت أن «التباعد الحالي في المواقف بين الحكومة والمعارضة مسألة مقدور على حسمها من قِبَل وساطة الإيغاد خلال الاجتماع التشاوري الذي تستضيفه أديس أبابا».
وفي هذا السياق، حاول المتحدث العسكرى باسم المعارضة المسلحة الموالية لريك مشار، لام فول قبريال، في حديث إلى «الأخبار»، طمأنة المواطنين بالقول إن «مطالبة المعارضة بتمديد الفترة الانتقالية لستة أشهر أخرى، وتمسك الحكومة ممثلة في الرئيس كير بالمضي قدماً في تكوين الحكومة، هذه المسألة لن تعيدنا إلى الحرب مجدداً، بل ستُحسَم عبر وساطة الإيغاد في اجتماعها مع قادة الأطراف الأسبوع المقبل».
لكن بالنسبة إلى مواطني جنوب السودان، فإن الحرب أولها كلام. فقد سبق أن تعرض اتفاق السلام الموقع في آب/ أغسطس عام 2015 للانهيار، بسبب تباعد المواقف بين الرئيس ونائبه السابق، في ما يتعلق بقضايا قسمة السلطة، وعدد الولايات، وعدم دمج القوات، لكن العامل الرئيس في الأمر كان غياب الإرادة السياسية، وانعدام الرغبة في تنفيذ اتفاق السلام. وحالياً، يكاد المشهد يتكرر، فيما تتجه الأنظار نحو اجتماعات أديس أبابا، على أمل أن تفلح في منع الانزلاق نحو الهاوية.