في حصاد أول للجهود التي بدأتها حكومة «الوفاق» مع انطلاق هجوم خليفة حفتر، نجح عدد من نواب البرلمان في طرابلس في عقد جلسة أمس في أحد فنادق العاصمة، أصدروا عقبها بياناً ثمّنوا فيه «دور دول المغرب العربي، والدول الرافضة للعدوان» في مواجهته، كما دعوا «المجلس الرئاسي» لحكومة «الوفاق»، بصفته القائد الأعلى للجيش، إلى تعيين قائد عام للمؤسسة العسكرية، وأطلقوا دعوة مفتوحة لبقية النواب لحضور الجلسة المقبلة للمجلس في طرابلس، يوم الأحد المقبل. بموازاة ذلك، واصل رئيس «المجلس الرئاسي»، فائز السراج، نشاطاته اليومية لتقوية موقفه الداخلي. فالتقى المبعوث الأممي الخاص غسان سلامة، ونائبته للشؤون السياسية ستيفاني ويليامز، مؤكداً لهما أن حكومته «عازمة على دحر العدوان»، رافضاً وقف إطلاق النار «قبل انسحاب القوات المعتدية وعودتها من حيث أتت». وكرّر، أثناء ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء، الشرط نفسه لوقف إطلاق النار، مؤكداً أنه في غياب انسحاب قوات حفتر «يصبح الحديث نوعاً من العبث»، معتبراً أن حفتر «نسف العملية السياسية، وتسبب في أضرار كبيرة للنسيج المجتمعي، بالإضافة إلى الأضرار المادية والمعنوية».

خارجياً، واصل نائب رئيس «المجلس الرئاسي»، أحمد معيتيق، سلسلة الزيارات التي يجريها لدعم موقف حكومته. وأنهى الرجل، مساء أول من أمس، زيارة استمرت يومين إلى الكويت، التقى خلالها الأمير صباح الأحمد الجابر الصباح، ووزير الخارجية، ورئيس مجلس الأمة، في ظل دعم الكويت لحكومته، وخاصة في مجلس الأمن الدولي، حيث تشغل عضوية غير دائمة حالياً. وبالتوازي مع تلك التحركات، وقعت «الوفاق» صفقة بقيمة مليوني دولار مع شركة «ميركوري للشؤون العامة» الأميركية، وهي جماعة ضغط في واشنطن (يقال إنها تعمل لمصلحة قطر)، لمدة عام، للضغط على الكونغرس وإدارة دونالد ترامب لدعم الحكومة المعترف بها دولياً، بعد أيام فقط من إخراج موقف الرئيس دونالد ترامب الداعم لحفتر إلى العلن. وتأتي محاولة الضغط هذه في ظل تباين في المواقف بين ترامب ووزير خارجيته، مايك بومبيو، ما يعكس خشية «الوفاق» من تحول موقف الولايات المتحدة لمصلحة حفتر، أحد معتمدي وكالة المخابرات المركزية لمدة 20 عاماً، والذي عاد إلى ليبيا من الولايات المتحدة عام 2011، على إثر الاحتجاجات التي أطاحت معمر القذافي.

رأى قرقاش أن الأولوية هي مكافحة «الإرهاب» في إشارة إلى ميليشيات «الوفاق»


وتعلم حكومة «الوفاق» أن الضوء الأخضر الأميركي، وسياسة السعودية والإمارات التي يطغى عليها طابع التهور في عهدَي محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، قد يؤديان إلى تدخل مباشر وعلني من قِبَل هاتين الدولتين. وقد بدأت الإمارات بالفعل إرسال إشارات في هذا الاتجاه، بتغريدة أول من أمس، لوزير الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، رأى فيها أن «الأولوية في ليبيا هي مكافحة الإرهاب»، في إشارة إلى الميليشيات التابعة لحكومة «الوفاق»، و«دعم الاستقرار في خضم أزمة طالت كثيراً»، على اعتبار أن هجوم حفتر، الذي يهدف للسيطرة على ليبيا، من شأنه توحيد الحكم. وحاول قرقاش إبعاد تهمة إفشال جهود الحل السياسي عن بلاده، بالقول إنها وفرت عبر «اتفاق أبو ظبي فرصة لمساندة المسار الذي تقوده الأمم المتحدة»، مرجعاً تعثره إلى استمرار «ميليشيات متطرفة في السيطرة على العاصمة، وتعطيل البحث عن حل سياسي».
كلام قرقاش بوضوح عن دعم حفتر، وتحميله ميليشيات طرابلس مسؤولية تعثر مسار الحل السياسي ووسمها بالإرهاب، هو عملياً تبرير للدور الإماراتي المستمر منذ عام 2014 وحتى الهجوم الحالي، حيث تقدم أبو ظبي لحفتر الدعم الجوي، وتضع في خدمته طائرات استطلاع وتجسس وأخرى مسيّرة في قاعدة الخادم الجوية شرق البلاد، فضلاً عن المدرعات والأسلحة الأخرى. ويأتي هذا التبرير في ظلّ خروج الدور الإماراتي إلى العلن، ووجود دلائل على قصف طائرات «وينغ لوونغ» مواقع تشكيلات تدعم حكومة «الوفاق»، وهي طائرات ـــ بحسب وزير داخلية «الوفاق» فتحي باشاغا ـــ لا تملكها إلا دولتان عربيتان، وإذا ما أضفنا إلى ذلك أنه تم استخدامها أيضاً في اليمن، فإن إصبع الاتهام يُوجه مباشرة صوب الإمارات.