بغداد | من دون أي ترتيب مسبق، حلّ وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، ضيفاً على العاصمة العراقية بغداد، حيث ناقش مع مضيفيه سبل «التصدي للتصعيد الإيراني»، قائلاً للوفد الصحافي المرافق له إنه «استطاع انتزاع تعهد عراقي بتوفير الحماية المناسبة لمصالح الولايات المتحدة»، مبدياً في الوقت عينه تخوّف بلاده من الأنشطة الإيرانية المتزايدة في المنطقة. الزيارة هي الثانية لبومبيو منذ بداية العام الجاري، وقد طرأت على جدول أعماله بسبب «مسائل ملحّة» وفق المتحدثة باسمه، ما اضطرّه إلى إلغاء زيارة محددة مسبقاً لألمانيا.

على مدى أربع ساعات، التقى الوزير الأميركي رئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي، على خلفية ما سمّاه «تصعيد طهران لنشاطها»، مطلعاً «الجانب العراقي على سيل التهديدات المتزايد الذي رأيناه، ليقوم بكل ما بوسعه لتأمين الحماية لفريقنا». طلبٌ يوضحه مصدر سياسي عراقي بالقول: «(إننا) التمسنا من حديث بومبيو أن إجراءً عنيفاً ضد إيران/ أو فصائل المقاومة وقوات الحشد المنتشرة في الغرب العراقي يلوح في الأفق، وبالتالي على الجهات الرسمية أن تحمي المصالح الأميركية ورعاياها في العراق من أي ردّ فعل»، على رغم نفي بومبيو نفسه أن تكون بلاده «تريد تدخّل أي طرف في العراق»، أو «مهاجمة دولة أخرى داخل العراق».
بومبيو سبق أن قال الاثنين الماضي: «إنني كوزير للخارجية، لدي مسؤولية الحفاظ على سلامة الضباط في جميع أنحاء العالم، ويشمل ذلك أربيل وبغداد... وكل أنحاء الشرق الأوسط»، لافتاً إلى أنه «في أي وقت نتلقى فيه تقارير عن تهديدات تثير المخاوف، سنفعل كل ما في وسعنا للتأكد من أن تلك الهجمات المخطط لها لن تحدث». واستكمالاً لهذا التصريح، ذكر الوزير الأميركي أمام الوفد المرافق له أن «الهدف من الاجتماع إطلاع المسؤولين العراقيين على الخطر المتزايد الذي رصدناه»، الأمر الذي يفنّده مصدر أمني عراقي بالقول إن «بومبيو أعطى الحكومة تقريراً مفصلاً عن رصد فصائل المقاومة للوجود العسكري الأميركي... حيث كشف عن بعض أجهزة المراقبة المملوكة من قِبل تلك الفصائل». ويضيف المصدر، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «بومبيو أعرب عن تخوفه، وبصراحة، من ردّ فعل فصائل المقاومة في حال انتقال التوتر إلى الميدان، خصوصاً أن أميركا لديها سفارة ضخمة في بغداد، وقنصليات منتشرة على طول الأراضي العراقية».

حثّ الوزير الأميركي الحكومة على «التحرك بسرعة» لإخضاع فصائل المقاومة لسيطرتها


وفيما أشار الوزير الأميركي إلى أنه حثّ الجانب العراقي على «التحرك بسرعة» لإخضاع تلك الفصائل لسيطرة الحكومة المركزية لأنها «تجعل العراق بلداً أقل استقراراً» بحسب تعبيره، أكد مصدر من داخل فصائل المقاومة أنه «ما من قرار فعلي وجدي لفتح جبهة ـــــ في الوقت الحالي ــــــ ضد القوات الأميركية، خاصة أن المواجهة المرتقبة معهم ستكون قانونية، من خلال إقرار قانون لإخراج القوات الأميركية»، مستدركاً في حديثه إلى «الأخبار» بأن «المعطيات الميدانية قد تتدحرج إلى مواجهة إذا تعقّد المشهد أكثر، خصوصاً أن الاحتمالات مفتوحة، والخيارات التي تمتلكها المقاومة العراقية عديدة، وأردنا إيصال رسالة إلى الأميركيين... وقد وصلت».
على المستوى الرسمي، جدد صالح، عقب لقائه بومبيو، القول إن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن «مهمة» لبغداد، خاصة أن العراق عاد إلى أداء دوره الأساسي في المنطقة «ليكون مكاناً يلتقي فيه الجميع للحوار والتفاهم بعيداً عن النزاعات والصراعات»، فيما رأى عبد المهدي أن «الولايات المتحدة الأميركية شريكٌ استراتيجي مهم للعراق، الذي سيستمر بسياسته المتوازنة التي تبني جسور الصداقة والتعاون مع جميع الأصدقاء والجيران، ومنهم إيران»، مشدّداً على «رغبة العراق في تطوير العلاقات مع الولايات المتحدة ومع بقية دول الجوار والأصدقاء في مختلف المجالات».
موقفٌ معلن يبدو مطمئناً للأميركيين، إلا أن مطلعين على حراك عبد المهدي يؤكدون أن واشنطن تتعامل مع الرجل بحذر، على قاعدة أنه «ليس صديقاً لها، بل متعاونٌ مع طهران». ويفيد هؤلاء بأن «عبد المهدي كان هادئاً خلال اللقاء ببومبيو، وقد قال إننا عراقيون، وإيران جارةٌ لنا، ولا نريد المزيد من المشاكل مع دول الجوار، ولا نريد أن نُشرَك في حرب (مهما كان نوعها) ضد أي دولة جارة مثلما تطلبون منا». وأضاف عبد المهدي: «إننا لا نميل إلى دولة جارة على حساب أخرى، ولا نريد أيضاً أن نميل معكم»، محذّراً من إدخال العراق في مأزقٍ مع إيران، وهو ما خلّف بحسب المصادر انطباعاً سلبياً ومزعجاً لدى الضيف الأميركي.