أحمد عزام*

لوكنت «زورو» المخيم، لحملتُ سيفي وانقضضتُ بكلِ أحلام الطفولة على أولئك الرابضين فوق صدره وقنصتهم قاتلاً قاتلا ثم سحلتهم في شوارع اليرموك أمام جَوعّى يأكلون القطط والكلاب ويتعففون عن جثثهم. لوكنت «زورو» المخيم لشكلت كتيبةً إرهابيةً نكايةً بملاعب الغولف التي تصنع مطبخنا السياسي، وتطهونا في أتون الحروبِ عند أول هدف. كتيبةٌ سيكون أبطالها أطفال المخيمِ المتسخين وزعرانها، وحمائمها المحملين بأبهى ألوان المتفجراتِ التي ستضيئ العالم المتحضر أجمع.

لوكنتُ «زورو» المخيم، لتماديتُ وأخذتُ حبيبتي بكلِ عُريِها وقبلتها ألف قبلةٍ أمام أولئك الذين تستثيرهم حورياتِ القيامة ومن ثم جلدتهم ألفَ جلدةٍ بسوطي، لأنهم مارسوا عليها زنا الروحِ والنظر.
لوكنتُ «زورو» المخيم، لقبضت على قادة الفصائل الفلسطينية «مصاصي الدماء» وجعلتُ أصغر طفلٍ في اليرموك يلقنهم بالعصا دروس «غسان كنفاني»، ومن ثم يحيلهم بالعصا ذاتها إلى لوحةٍ وقحة من لوحاتِ «ناجي العلي».
لوكنتُ زورو المخيم، لسرَقتُ كاميرا محترفة من شارع الحمرا (السوري) وصورت بها الأعداء الحميمين وهم يساومون بعضهم على تركة المخيم الفقير، ولكنت سورياليا في ذلك وصورت مشهداً لدُمى الأطفال التي تُباعُ مع أثاث المنازل وعليها بعضاً من بقعِ الدم.
لوكنت زورو المخيم، لنهبت خزائن جميع الدول وفرشتها في شوارع اليرموك كي يحرقها الأهالي ويتدّفأوا بنارها ويطهون عليها دعواتهم كي يتنفسها الله، فيمحقُ الذين أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء.
لوكنت زورو المخيم، لقفزتُ بحركةٍ بهلوانية ومزقتُ على شكلِ حرفz ثيابَ المخصيين في السلطةِ الفلسطينية وفضحتُ النُدبَ التي تركتها الجنسيات الممنوحة من سلطةٍ على سرابِ دولةِ الانبطاح.
لوكنتُ زورو المخيم، لحملتُ أوجاعَ امرأةٍ في السبعين كما يحملُ الحجرُ جبلاً ووضعت هذه الأوجاع في الاحتياطي الاستراتيجي للغضبِ الفلسطيني كي يصبحَ الكونَ أقل اطمئناناً وأكثرَ تفادياً للاجئين.
لوكنت زورو المخيم، لقلتُ شكراً بقلبٍ جريء لحرس الحدود اللئيم الذي يذكرني بحقدي دائماً ويقول لي «يا فلسطيني أنت ارجاع ممنوع تفوت»، ولقدمتُ له الورودَ وذهبت بعد أن أكونَ قد دسست له السُمَ في الرحيق.
لوكنتُ زورو المخيم، لأتقنتُ لعبةَ اللحظةِ الحاسمة بأناقةِ المتعجرِف ووقفتُ بين الشهيدِ والرصاصة، وعلمتها أن قتلاها ليسوا أرقاماً، وأصبتها بالخجلِ من نفسها إلى حدِ التفجرِ في بيتِ نارِ مُطلقها، واستعدت منها «خالد وبسام وإياس ووليد وأحمد» وكل الأسماءِ التي ستبقى ما بقيَ الله.
لوكنتُ زورو المخيم، لسطوتُ على خطوطِ القطاراتِ السريعة ووجهتُ إحداها إلى جنوبِ المخيم، تحديداً عند السكةِ الحديدية -المكان الذي خُذلَ به أهلي لأول مرة – صانعاً مشهداً ملحمياً يتجمعُ فيهِ فقراء المخيم ليخرجوا من حصارِ دامَ ستٌا وستون عاماً، وسيجر القطار زمرةٌ من الزعماء العرب والقادة الموتورين المربوطين كالمطايا في مقدمةِ القطار، وحينها سأقول لجدتي ها قد انتهى الشهران اللذان وعدوكِ بالعودة خلالهما إلى عكا، بل إلى كل فلسطين، فاصعدي كي تشهدي ماضٍينا غداً.
لوكنت زورو المخيم، لكنت فعلت كل ذلك دون أن أضع قناعاً يُخفي هويتي. آه... آه، فقط لوكنت زورو المخيم.
*كاتب عربي ــ دمشق