جوبا | قبيل توقيع اتفاق السلام بين الحكومة والمعارضة المسلحة في جنوب السودان، في الـ 5 من أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلنت حوالى ست مجموعات مسلحة رفضها مسودة الاتفاق الذي لم توقع عليه، مُعلِّلة ذلك بأن الوثيقة التي اعتمدتها الأطراف كتسوية سياسية لم تخاطب الأسباب الجذرية للنزاع، إلى جانب كونها أهملت قضية الفدرالية التي ترى ضرورة اعتمادها كنظام للحكم.

ومما شجّع تلك المجموعات، التي تملك وجوداً عسكرياً على الأرض، على اتخاذ موقف الرفض، ممانعة الولايات المتحدة وبلدان «الترويكا» (تضمّ إلى جانب الولايات المتحدة، المملكة المتحدة والنرويج) ضمّها إلى الاتفاق بحجة غياب الإرادة السياسية لديها، الأمر الذي جعلها تُعلن عن مواصلة القتال ضد الحكومة، مهدّدة بذلك جهود وساطة «الإيغاد»، التي شددت على ضرورة إلحاقها بالعملية السلمية.
ومن ضمن التنظيمات المسلحة الرافضة لاتفاق السلام، حركة «جبهة الخلاص الوطني» المسلحة بزعامة توماس شريلو، و«التحالف الجمهوري الديموقراطي» (تنظيم مسلح) يقيادة قاتويج ثيج، و«حركة جنوب السودان الوطنية للتغيير» بقيادة فاكيندي أونفو، و«الحركة الوطنية الديموقراطية» بقيادة إيمانويل أبان (مسلحة)، و«الجبهة المتحدة لجنوب السودان» بقيادة الجنرال فول ملونق أوان، و«حركة الشعب الديموقراطي» بقيادة حكيم داريو. وترى تلك التنظيمات أن اتفاق السلام لا يخدم شعب جنوب السودان، وإنما يصبّ في مصلحة الرئيس سالفا كير ميارديت، وزعيم المتمردين ريك مشار.
وتُعتبر «جبهة الخلاص الوطني»، المتمركزة في إقليم الاستوائية جنوب البلاد، من أكبر الجماعات الرافضة للاتفاق، إذ إنها تسيطر على الوضع الميداني في الإقليم الذي يضمّ أكثر من خمس ولايات، كما أن قائد المجموعة، توماس سريلو، ينحدر من المنطقة ولديه تأثير سياسي كبير فيها، إلى جانب شعور مواطني الإقليم بالظلم والتهميش من قِبَل الحكومة التي استولت على أراضيهم داخل العاصمة جوبا والعديد من المناطق، لذلك أصبحوا يطالبون بإقامة النظام الفدرالي الذي يُعيد إليهم السلطة في الإقليم.
وتخشى «مفوضية مراقبة وتقويم اتفاق السلام» (تتبع وساطة الهيئة الحكومية للتنمية في شرق أفريقيا «إيغاد») انهيار الاتفاقية بسبب استمرار المواجهات المسلحة بين الحكومة وبعض الفصائل غير الموقعة على اتفاق السلام، وتحديداً حركة «جبهة الخلاص». ويرى رئيس المفوضية، أوغسطينو نجورغي، في تصريحات إلى «الأخبار»، أن «عملية السلام في جنوب السودان تمرّ بمنعطف خطير جداً، كما أنها يمكن أن تتعرض للتراجع في ظلّ ورود تقارير تفيد باستمرار المواجهات المسلحة بين قوات الحكومة وجبهة الخلاص في ولاية نهر ياي».

رفضُ واشنطن ضمّ الجماعات المسلحة دفع الاخيرة إلى مواصلة القتال


وفي الوقت الذي تتمسك فيه وساطة «الإيغاد» بضرورة إلحاق تلك الجماعات بالعملية السلمية، بشرط عدم فتح الاتفاق للتفاوض من جديد، يطالب رئيس «حركة الشعب الديموقراطية» المسلحة، حكيم داريو، غير الموقع على الاتفاق، بمفاوضات جديدة بين الحكومة وفصائل المعارضة، وتضمين مقترحاتها ومطالبها لتحقيق السلام الشامل في البلاد. وكانت «الإيغاد» قد كلّفت، في اجتماع لها الشهر الماضي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، السفير إسماعيل وايس، بالعمل على إلحاق الجماعات الرافضة لاتفاق السلام بالعملية السلمية، كما هددتها بتصنيفها كجماعات مناوئة للسلام حال رفضها. وقال وايس، مبعوث «الإيغاد» إلى جنوب السودان، في تصريحات إلى «الأخبار»، إن «القضية الرئيسة تتمثل في كيفية إلحاق المجموعات الرافضة بالعملية السلمية، حتى تكون جزءاً من تنفيذ اتفاقية السلام. ونحن نعمل على ذلك، ولا يوجد أمامنا خيار آخر».
وأدى رفض المجموعات الخمس المنضوية تحت لواء «التحالف الوطني الديموقراطي»، التوقيع على اتفاق السلام، إلى بروز مخاوف جديدة، ولا سيما أن تطابق مواقف تلك المجموعات مع مواقف الولايات المتحدة ودول «الترويكا»، التي ترى أن هذا الاتفاق لن يستطيع الصمود بفعل غياب «الإرادة السياسية»، قد يقود إلى حصولها على دعم دولي في القريب العاجل، وخاصة بعد فشل الأطراف الموقعة في تنفيذ بنود الفترة ما قبل الانتقالية، وإرجاء تكوين الحكومة الجديدة لستة أشهر أخرى.
بالنسبة إلى الحكومة، هي ترى ضرورة احتواء «جبهة الخلاص» وحدها، والدخول معها في مفاوضات منفصلة عن بقية المجموعات، التي تعتبرها جزءاً من التحالف الذي تحركه مجموعة توماس سريلو. مع ذلك، يدعو مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية، ورئيس لجنة إدارة الفترة ما قبل الانتقالية، توت قاتلواك، في تصريحات إلى «الأخبار»، «جميع الجماعات غير الموقعة، وبالتحديد الجنرال توماس سريلو، إلى التفاوض، فنحن كحكومة جاهزون للتوصل إلى اتفاق سلام معه».
إلا أن «جبهة الخلاص» رفضت الدعوة الحكومية، مثلما رفضت دعوة سابقة من قِبَل وساطة «الإيغاد»، مؤكدة أنها لن تدخل أي مباحثات منفردة. وأوضح المتحدث باسم الجبهة المسلحة، سوبا صموئيل، لـ«الأخبار»، أنهم لا يمكنهم أن يدخلوا «في أي مباحثات بصورة منفصلة، وبمعزل عن التحالف الوطني. فقد سبق أن أخطرنا وساطة الإيغاد بذلك حينما دعتنا إلى الاجتماع معها الشهر الفائت». وأضاف: «نحن نطالب بسلام شامل يعالج كل القضايا التي أدت إلى الحرب في جنوب السودان، من دون استثناء أي فصيل أو مجموعة».