«كان يا ما كان في قديم الزمان، كان هناك قائد كتيبة في لواء غولاني يقف خلف الحدود مع سوريا...». لو لم يكن الموضوع سياسياً أمنياً بحتاً، لبدأت «القناة الـ 12» الإسرائيلية الحلقة الأخيرة من برنامج «حقيقة» بهذه المقدمة القصصية. كل هذا لكي تُخلّد اللحظات التي تحطّمت فيها الحواجز النفسية بين مَن يُفترض أنهم كانوا يوماً أعداء لدودين: المسلحون الذين «ثاروا من أجل الحرية» في سوريا، وجيش الاحتلال الإسرائيلي. أما ماذا استفادت إسرائيل من هذه العلاقة؟ فقد ردّ المسلحون «الجيرة الطيبة»... بأحسن منها.

مَن الذي بادر إلى تحطيم الحاجز النفسي مع العدو الذي لا يزال يحتل أرضاً عربية، وفي مقدمها الأرض التي «ثار لأجل الحرية فيها» أولئك المسلّحون؟! تُجيب «القناة الـ 12» الإسرائيلية، في برنامج «عوفدا ــــ الحقيقة»، على ذلك، من خلال مقابلات مع قادة عسكريين انخرطوا في مهمة «الجيرة الطيبة». والأخيرة، هي التسمية الرسمية لمشروع استخباري عسكري قادته مجموعة خاصة إسرائيلية تحت غطاء المساعدات الإنسانية والطبية لـ«المساكين خلف الحدود».
في التقرير الإخباري الذي يُلخّص الحلقة، يُشير موقع القناة الإلكتروني إلى أن العلاقة بدأت «بينما كان قائد كتيبة في لواء غولاني يقف على الشريط الحدودي (في المناطق المحتلة من هضبة الجولان) عندما اقتربت منه مجموعة من المسلحين، وبدأت في الحديث معه». مذّاك اليوم، «بدأت اللقاءات بين القادة الاستخباريين والعسكريين الإسرائيليين وبين المسلحين الذين أتوا من سوريا». وكانت هذه اللقاءات، كما أوضحت القناة، «تُعقد في أمكنة سرية». بعد ذلك، «فُتحت البوابة الحدودية ذات يوم، وشوهد الجرحى السوريون يدخلون منها إلى إسرائيل لتلقّي العلاج». وعلى الرغم من أن العلاقة بين المسلحين وجيش العدو كانت شبه علنية منذ بدايات الحرب في سوريا، وهذا ما تبدّى على أكثر من مستوى بدءاً من قبول «المساعدات الإنسانية والطبية»، والعلاج داخل المستشفيات الإسرائيلية، وصولاً إلى الشؤون الأمنية، رأت القناة أن «هذه القصة كانت خيالية حتى كَشْفها مساء الخميس الماضي». أما حول كيفية تحرك الوحدة السرية في مشروع «الجيرة الطيبة»، فالأمر تم بحسب القناة، عبر «تنكّر الجنود النخبويين الإسرائيليين بملابس أطباء، حيث قابلوا المسلحين بحجة تقديم مساعدات إنسانية».

العسكريون الإسرائيليون تنكّروا بزيّ مسعفين خلال لقاءاتهم السرية مع المسلحين


الحرب التي اندلعت في سوريا قبل ثماني سنوات وضعت إسرائيل أمام اختبارات على المستويات كافة. إذ، كما تقول القناة، «كان على إسرائيل أن تتحرك للحؤول دون وقوع المأساة... مع الوقت، ازدادت أعداد اللاجئين على طول الحدود التي ظلّت لسنوات هادئة إلى حدّ الملل، ثم ازداد عدد الجرحى الذين يعبرون الحدود لتلقي العلاج». وعلى المقلب الآخر، وجدت إسرائيل نفسها أمام اختبار أمني: أن «تُحدّد الصديق الذي يتمثل بالمقاتل السوري من أجل الحرية، وبين العدو المتمثل في حزب الله وإيران اللذين استغلّا الفرصة لإنشاء بنية تحتية عسكرية في الجنوب». في بدايات الحرب عام 2011، تسلّم يائير غولان قيادة الجبهة الشمالية (حالياً يشغل منصب نائب رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي). في المقابلة معه خلال البرنامج الذي بثته القناة، يشير إلى أنه «مع مرور الوقت، سرعان ما أصبحت أبعاد الكارثة الإنسانية على الجانب الآخر من السياج واضحة. ولم يكن مطلوباً لمعرفة ذلك الاطلاع على تقارير منظمات حقوق الإنسان، ولا سماعها من المسلحين السوريين، كان يكفي أن ترفع رأسك وتنظر إلى الجانب الآخر من السياج».
يشرح غولان كيف ولدت فكرة مشروع «الجيرة الطيبة»، قائلاً إن «مسلحين سوريين اقتربوا منّا، وطلبوا أن نعطيهم ضمّادات، وموادّ طبية وشخصية لعلاج الجرحى هناك... وقد قادت هذه اللقاءات والأحاديث إلى إنشاء المشروع وبناء علاقات نادرة وغير مسبوقة بين الجيش الإسرائيلي والمسلحين الثوّار/ المتمرّدين». وبعد تلك المحادثات التي جرت على السياج، «اجتمع كبار المسؤولين والقادة في الجيش الإسرائيلي لوضع آليات عمل تنفيذ المشروع (الجيرة الطيبة)»، يضيف نائب رئيس هيئة الأركان (قائد الجبهة الشمالية سابقاً)، مشيراً إلى أنه «في خلال الاجتماع، اتفقنا على أنه إذا كُنا نريد أن نزيد على ما نعرفه، فعلينا اجتياز السياج والدخول في الفوضى». والطريق إلى ذلك، كانت بإقامة مشروع «الجيرة الطيبة» الذي قام على علاقة معقّدة مع المسلحين السوريين. وقد تبدّى هذا بحسب غولان «في قيام المسلحين بالحفاظ على الأمن (منع حزب الله وحلفاء الدولة السورية من التمركز في الجنوب)، وتقديم معلومات استخبارية، مقابل حصولهم على العلاج والمساعدات من إسرائيل».
بحسب منسّق وموجّه العلاقات بين جيش العدو والمسلحين، الضابط ماركو مورنو، والذي يعمل منذ سنوات في وحدة تشغيل العملاء، فإن «من الصعب وصف العلاقة مع المسلحين، فهم ليسوا مُشغَّلين، وهم ليسوا عملاء بالضبط... نحن لا نعرف كيف نصنّفهم، إن علاقتهم معنا هي شيء آخر تماماً». أمّا طريف بدر، ضابط الإسعاف الحربي في جيش العدو، فيصف أول لقاء مع المُسلحين عام 2013 (عندما دخلوا إلى مستشفى زيف في صفد): «لقد كان المسلحون في حالة من اللّايقين، غير مصدّقين بأن العدو اللدود (...) أقصد العدو الذي مثل على مدى عقود بالنسبة إليهم قمة الإجرام، هو نفسه من يعالجهم في مشفى إسرائيلي، وينقذهم من الموت».
يُشار إلى أن ما ورد في تقرير «القناة 12» الإسرائيلية يُعدّ الأول من نوعه لناحية أنه جاء على لسان رسمي هذه المرة هو الجيش، بالإضافة إلى مَن انخرطوا في «المهمة السرية» التي «كان وزير الأمن السابق، موشي (بوغي) يعلون، الذي تسلّم مهماته في المنصب في بدايات الحرب في سوريا، هو من أعطى الضوء الأخضر لها»، بحسب القناة.