الخرطوم | لم يعد خافياً سعي نائب رئيس المجلس العسكري في السودان، قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو، المُلقّب بـ«حميدتي»، للوصول إلى رئاسة السودان، بعد الالتفاف على ممثّلي الحراك الشعبي من القوى الموقّعة على «ميثاق الحرية والتغيير»، التي يَعتقد أنها «لا تمثل كل الشعب السوداني وإن علا صوتها». وهو، لتحقيق هدفه الأخير، يسعى جاهداً إلى شقّ صف الجبهة المعارضة، عبر محاولة اجتذاب بعض قواها إلى صفه، أو خلق قوى سياسية موازية لها، بغية إضفاء مشروعية على نيته التفرّد بالسلطة، وإعلانه تأليف الحكومة من دون موافقة المكوّنات السياسية الرئيسة. مساعٍ يبدو أن الرجل، المدعوم سعودياً وإماراتياً، بدأ يجني أولى ثمارها، مع إبداء بعض القوى كـ«مجموعة نداء السودان»، بالإضافة إلى «حزب المؤتمر السوداني»، مرونة (لا تزال مترددة في الجهر بها، خوفاً من رد فعل الشارع) إزاء الطرح القاضي بتقاسم عضوية «المجلس السيادي» ــــ محل الخلاف ــــ مناصفةً بين المجلس العسكري و«قوى الحرية والتغيير»، على أن تكون الرئاسة دورية، وتؤولَ في فترتها الأولى إلى العسكر بحجة أن الوضع الأمني في البلاد يقتضي أن يكون الأخير على رأس السلطة. وإذ وصف بعض المتابعين هذه المرونة بأنها «هبوط ناعم» للقوى والأحزاب المشار إليها، ونقض لـ«ميثاق الحرية والتغيير»، فهي قد لا تبدو مستغربة في ظلّ الزيارات التي قام بها بعض قياداتها إلى أبو ظبي بعد سقوط الرئيس المخلوع عمر البشير.
يُحتمل لجوء نائب رئيس المجلس العسكري إلى إنشاء حزب سياسي


مع ذلك، يبدو، على ضوء التهديدات التي أطلقها حميدتي في كلمة أمام زعماء بعض العشائر أول من أمس، أن صبر الرجل قد نفد، وأنه أعدّ خطة الانقلاب على الجميع، بِمَن فيهم المجلس العسكري، وأنه في انتظار الساعة الصفر، بعدما أعلن صراحة أنه لن يسلّم السلطة إلى مدنيين في ظلّ الوضع الأمني الذي تمرّ به البلاد، أي «الفوضى» بحسب تعبيره. هذه «الفوضى»، التي تذرّعت بها قوات «حميدتي» لاستهداف مواطنين عزّل بالرصاص الحي، يريد الرجل إقناع الرأي العام بأن تزامنها وخطاباته التصعيدية هما من باب الصدفة ليس إلا، لكن الوقائع تشي بأن ثمة سيناريو مكتمل الأركان يجرى العمل على إخراجه: فوضى أمنية، مجموعات خارجة عن القانون تثير البلبلة، إذاً لا بدّ من وجود حكومة عسكرية للسيطرة على الأوضاع وإعادة الأمور إلى نصابها. كذلك، من غير المستبعد أن يعمد «العسكري» إلى التلويح بانتخابات مبكرة، لكن هذه الخطوة قد لا تكون المثلى بالنسبة إلى قائد قوات «الدعم السريع»، الذي سيجد نفسه خارج قواعد اللعبة السياسية. ومن هنا، يلجأ حميدتي إلى خطط بديلة عن طريق محاولة حشد التأييد والدعم من زعماء العشائر والقبائل ورجالات الإدارة الأهلية الذين التقى عدداً كبيراً منهم خلال الفترة الأخيرة. لكن متابعين يحتملون لجوء نائب رئيس المجلس العسكري إلى تكوين حزب سياسي يخوض به المعركة الانتخابية. وفي هذا الإطار، بدا مثيراً للانتباه ظهور لافتات دعائية تحمل اسم «حزب الدعم الوطني»، خلال الحشد الجماهيري الذي نظمه مؤيدو إدارة المجلس العسكري للفترة الانتقالية قبل أيام، ليتضح في ما بعد أن الاسم مقتبس من اسم القوات التي يرأسها «حميدتي».
ويصف المحلل السياسي محمد وداعة تصريحات حميدتي الأخيرة، الرافضة تسليم السلطة لحكومة مدنية، بـ«غير الموفّقة»، معتبراً أنها «تخالف تعهدات المجلس العسكري الانتقالي الذي يتبوّأ فيه منصب نائب الرئيس». ويرى وداعة، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الأجواء الآن لا مكان فيها لمثل هذا الحديث التصعيدي، لأن الثورة مستمرة، والاعتصام متواصل، والشوارع يمكن أن تثور في أي وقت»، متمنياً على دقلو «اختيار العبارات بعناية، وعدم تذكير المواطنين بالعبارات ذاتها التي كان يستخدمها رموز النظام السابق في استفزاز الشارع». ويضيف أن «طموحات حميدتي السياسية تواجه طريقاً مسدوداً، خاصة خلال الفترة الانتقالية التي سيظلّ محتفظاً خلالها بمنصب نائب رئيس المجلس العسكري»، متابعاً أنه «في حال كانت للرجل طموحات نحو الرئاسة، فإن طريقها الأوحد صناديق الانتخابات بعد انقضاء الفترة الانتقالية».
كأن حميدتي، الذي كان إلى وقت قريب الدرع الواقية للبشير، يقرأ من الكتاب نفسه الذي قرأ منه الرئيس المخلوع، باستخدامه فزاعة مصير البلاد، والتخويف من أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه في سوريا واليمن، والتحذير من أن هناك منظمات لم يُسمِّها قد شرعت في إعداد خيام اللجوء للشعب السوداني. ويرى محللون أن «حميدتي»، الموسوم بالتعجل، يضع رهانه على امتلاكه أدوات الحسم (القوة العسكرية والثروة)، ومن هنا يُخيّل إليه أن كلّ ما يتمناه يمكنه الحصول عليه، حتى وإن كان حكم بلد متعدد الإثنيات والأعراق كالسودان. لكن هؤلاء يرون أن هذه الصفات نفسها هي التي ستعجّل بحرقه، وأنه كما صعد سريعاً سيقع سريعاً.