«الحرية والتغيير» لا تزال تملك زمام المبادرة

«حميدتي» يقدم نفسه للخارج كبديل من البشير
مواقف السعودية والإمارات تضرّ بمصلحة السودان

جوبا | في ضوء محاولات المجلس العسكري التملّص من اتفاقاته مع «قوى الحرية والتغيير»، أكد المتحدث باسم «الحركة الشعبية لتحرير السودان ــــ قطاع الشمال»، مبارك أردول، في مقابلة مع «الأخبار»، أن قادة الحراك لا يزالون يملكون القدرة على المبادرة من خلال تصعيد الحراك الجماهيري، معتبراً أن «الحركة الشعبية»، المنضوية ضمن التحالف المعارض، حققت مكاسب عديدة أثناء وجود قياداتها في الخرطوم، تمثلت في إيصال صوتها إلى الجماهير، وتقديم طرحها حول القضايا المتعلقة بالحرب وتحقيق السلام. كما نفى أردول انخراط حركته في أي محاولة لتنفيذ مشروع «هبوط ناعم» ينتهي بتشارك السلطة مع العسكر.

كيف تقرأون رفض المجلس العسكري تسليم السلطة إلى حكومة مدنية؟
- من خلال وجودنا في الخرطوم، عملنا مع قوى الحرية والتغيير، وتعاملنا مع المجلس العسكري. وقد اتضح لنا من خلال ذلك أن المجلس اتبع عدة خطوات أضرَّت بالعملية السياسية، من شأنها تجيير الثورة لمصلحته ليكون بديلاً من نظام (الرئيس عمر) البشير، على اعتبار أن الثورة كانت ضد النظام وليست ضد القهر والشمولية. وفي سبيل ذلك، بدأ المجلس بالمماطلة في الوصول إلى اتفاق، حيث أظهر تعنّتاً غير مبرر، وتلك واحدة من خططه، تبعها فضّ الاعتصام بالقوة، ومن ثم التنصّل من الاتفاقات، وأخيراً اعتقالنا وترحيلنا إلى جوبا، فضلاً عن حظر الإنترنت، وفرض المظاهر العسكرية.

ما هي الخطوات المضادة التي تعملون عليها حالياً بعد تعثر عملية التفاوض؟
- نحن في «الحرية والتغيير» لا نزال نملك زمام المبادرة. فمنذ اندلاع الثورة، كان هناك تصعيد مستمر في الشارع، إلى أن وصلت إلى نقطة الاعتصام أمام القيادة العامة. وبعدما فُضّ الاعتصام، تحولت مدن السودان كلها إلى ساحات اعتصام، حين استخدمنا سلاح الإضراب والعصيان الشامل. فالثورة موجودة في روح كل مواطن.

في ظل هذه الأوضاع، صعدت شخصية قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي»، وبدأ يظهر على أنه مسيطر في البلد. هل يمثل الرجل مصالح المجلس العسكري أم أنه يعبّر عن مصالح أطراف خارجية، وتحديداً السعودية والإمارات؟
- حميدتي يقدم نفسه كبديل من البشير في اللقاءات الجماهيرية، معتمداً أسلوب الرشى مع الإدارات الأهلية، كما يحاول أن يقدم صورة زاهية عن الدعم السريع. وكلنا يعلم أن قواته ارتكبت فظائع وجرائم في الريف السوداني والخرطوم أثناء عملية فضّ الاعتصام. لذلك، هو لن يستطيع أن يُصلح ما أفسدته قواته، لكنه يحصل على دعم كبير من الإمارات والسعودية، اللتين تعتقدان أن المال يكفي لحلّ أزمات السودان، بينما الأزمة تكمن في سياسات النظام الذي سيطر لفترة طويلة، علماً بأن حميدتي ليس من أطاح النظام السابق، إنما أطاحته ثورة شعبية، لذلك هو لن يستطيع أن يقود مسيرة الثورة إلى الوجهة التي يريدها.

لكن «حميدتي» يؤسس حالياً لخطاب مغاير، وهو الوجه المتقدم للمجلس العسكري، فهل نستطيع القول إنه هو من يحكم السودان فعلياً؟
- حميدتي يحاول أن يحكم السودان، لكنه لن يستطيع، ليس لأن لدينا موقفاً إثنياً أو طبقياً تجاهه، فهو في نظرنا مواطن سوداني له الحق في المشاركة في الحكم، ولكن عليه اتباع الطريقة الصحيحة والإجراءات السليمة، وليس بوضع اليد على السلاح وحشد القوات في الخرطوم. فالبشير كان يمتلك ترسانة أسلحة أكبر منه، وكانت لديه قوات أكثر منه، كما أنه كان جزءاً من الجيش، فضلاً عن قوات خاصة من المجاهدين والميليشيات كانت تدين بالولاء له، ورغم ذلك لم يستطع تركيع الشعب الذي ظلّ يقاوم نظامه إلى أن سقط بثورة شعبية سلمية. حميدتي يعتقد أنه صاحب المصلحة العليا، وأن القتل يمكن أن يثني الشعب عن تحقيق غايته، ولكن كلما قَتَل كلما تقدم الشعب، فحميدتي ليس أكثر قهراً من الدكتاتوريات التي أسقطها الشعب.

قمتم أخيراً بزيارة للخرطوم انتهت باعتقالكم وإبعادكم إلى جوبا. البعض اعتبرها مغامرة، والآخر رآها زيارة مهمة حققت عدداً من المكاسب. ما هي هذه المكاسب؟
- بكل صراحة، الحركة الشعبية لتحرير السودان ظلّت طوال السنوات السبع الماضية تقود عدداً من أبناء الشعب السوداني في معارك مختلفة، وهؤلاء الشباب ضحّوا بدمائهم وأرواحهم، كما سقط منهم شهداء وتضرّر كثيرون. وكنا نعتقد أن على القيادة أن تتقدم في هذه المرحلة، وأن قرار ذهابنا إلى الخرطوم كان صحيحاً لتكملة ما بدأناه مع حلفائنا في قوى الحرية والتغيير. ومن المكاسب هو أننا التقينا أبناء الشعب السوداني وحلفاءنا في القوى السياسية، واستطعنا أن نكون موجودين في ساحة الاعتصام، وصار الناس يسمعون منا بعدما كانوا يسمعون عنا، ولم نكن نتوقع العودة أو النفي من أرض الوطن، لكن العسكر لا يفهمون أننا سنعود إلى الخرطوم أكثر قوة.

من خلال وجودكم في الخرطوم، استطعتم أن تكونوا جزءاً من الوفود المفاوضة، كيف كان تقييمكم للعملية التفاوضية التي لم تستمر طويلاً؟
- بعد يومين من وصولنا إلى الخرطوم، أخطرتني قيادة الحركة بالالتحاق بوفد قوى الحرية والتغيير المفاوض مع المجلس. وقد استطعنا خلال المفاوضات أن نربط قضايا الحرب مع قضايا التحول الديموقراطي التي تم دمجها مع قضايا السلام والاستقرار. كما استطعنا التوصل إلى تحديد سقف زمني لتحقيق السلام في ستة أشهر، حتى نضمن مشاركة حركات الكفاح المسلح في الحكومة الانتقالية. وبالتالي، استطعنا أن نوصل صوتنا، كما أن وجودنا أضاف دفعة أكبر لوفد التفاوض.

من خلال جلوسكم مع المجلس العسكري، هل استشعرتم وجود نية للتنصل من الاتفاق والانقضاض على الثورة؟
- في الجولات الأولى، كانت هناك جدية للتوصل إلى تفاهم، وخاصة حينما كان يقود التفاوض الفريق صلاح عبد الخالق. إذ اتفقنا على الفترة الانتقالية والمجلس التشريعي والسلطة التنفيذية، بعدها تم رفع الجولة، وتم تبديل الفريق عبد الخالق بشمس الدين كباشي. حينها، توقف التفاوض، وأصبحنا نسمع تصريحات متطرفة من حميدتي، الذي كان يعتقد أن قوى الحرية والتغيير مُنحت أكثر مما تستحق. وقد استطاعت مجموعة حميدتي أن تفرض رأيها كقوى معارضة للاتفاق داخل المجلس العسكري.

هل كان ذلك رأي حميدتي أم رأي تيار داخل المجلس، أم أنه رأي يُعبر عن المحور الإماراتي ــــ السعودي؟
- رأي الثلاثة. هو رأيه الذي يتطابق مع رأي تيار داخل المجلس، كما أنه يُعبر عن المحاور الخارجية في الوقت نفسه.

بالنسبة إليكم في «الحركة الشعبية»، ما هو الدور الذي ستقومون به لمواصلة الضغط على المجلس العسكري بعدما تم إبعادكم؟
- كما تعلم، للنضال أشكال متعددة، في الداخل والخارج. داخلياً، نؤكد أننا سنواصل تحالفاتنا وسنوسّعها لتوحيد جميع الفصائل المعارضة ضد المجلس. وخارجياً، سنواصل الضغط الدبلوماسي في الاتحاد الأفريقي والمجتمع الدولي، كما سنتحدث إلى المحاور التي تدعم حميدتي، حتى تعرف أن تدخلها لن يقود إلى حل الأزمة، وسنواصل الضغط من أجل إجراء تحقيق دولي في جريمة فضّ الاعتصام حتى تقديم المتورطين إلى العدالة.

هل ترون أن تصاعد الضغط الدولي على «العسكري» لنقل السلطة إلى المدنيين يمكن أن يفيدكم في هذا الإطار؟
- تدخل الدول هو محاولة استباقية لاحتواء أي تداعيات يمكن أن تفرز ملايين اللاجئين الذين سيفرّون إلى أوروبا، حتى عملية الترحيل التي حدثت لنا كان لها صداها على المستوى الدولي. لذلك، فإن أي تحرك دولي في الوقت الحالي مشروع، لكن مواقف المحور السعودي ــــ الإماراتي ستضرُّ بمصلحة الشعب السوداني في الديموقراطية والسلام، وأي جهة تقف ضد العملية السلمية ستجد نفسها في مواجهة المصالح الدولية التي تعمل من أجل استقرار الأوضاع الداخلية.

ما هو موقفكم من مبادرة جنوب السودان للتوسط بين الطرفين؟
- موقفنا تجاه الجنوب إيجابي. فالجنوب هو الدولة الوحيدة التي استقبلتنا بعدما تم إبعادنا، كما أن للجنوب مصالح كبيرة في السودان على مستوى النفط وقضايا الحدود، لذلك نرى أن هناك ضرورة لتوحيد جميع المبادرات المقدمة للتوسط في الأزمة السودانية.

أنتم كحركة شعبية كنتم ولا تزالون جزءاً من تحالف «نداء السودان»، الذي يضمّ بعض القوى السياسية، إلى جانب حركات الكفاح المسلح، لكنْ هناك تباعد وتضارب في مواقفكم من الثورة والتصعيد، ألا يخدم ذلك المجلس العسكري، ويساعده في التملّص من الاتفاقيات السابقة؟
- طبعاً، العمل المشترك له تحديات، أولها أن قوى الحرية والتغيير عبارة عن تحالف، كما أن قوى نداء السودان عبارة عن كتلة سياسية. والأولى تُعاني من غياب القيادة الموحدة، والآن توجد تنسيقية فقط بيننا، لذلك تجد تبايناً في مواقف الأطراف. من الأفضل توحيد القيادة لتجنب حالة التضارب.

قبل ذهابكم إلى الخرطوم، قمتم بزيارة للإمارات، ما طبيعة تلك الاتصالات؟ وما هي نتائج الزيارة؟
- نعم، الإماراتيون قدموا دعوة لقيادات الحركة الشعبية، والتقوا جزءاً منها في أوروبا. وبعد سقوط النظام، دعوهم إلى أبو ظبي، حيث أخبروهم بأنهم على صلة بالمجلس العسكري، وأن بإمكانهم أن يتوسطوا في قضية السلام. لذلك، طالبناهم بأن تكون هناك وثيقة اتفاق بيننا وبين جميع الحركات المسلحة، على أن تحظى بدعم من الداخل والخارج، فالتعامل مع المجلس وحده لن يفيد السودان، لكن الأوضاع تغيَّرت بعد فضّ الاعتصام وتراجع الأخير عن الاتفاق. رسالتي للإمارات هي أن للسودان علاقة تاريخية بينه وبينها، فالتدخل يجب أن يكون لمصلحة الشعب وليس لمصلحة العسكر والدعم السريع.

هناك اتهامات موجهة إليكم من قِبَل المعارضة بأنكم تعملون لتنفيذ مشروع «الهبوط الناعم» الذي ينتهي بشراكة سياسية مع العسكر، فما ردُّكم؟
- لقد ظللنا نسمع أحاديث كثيرة تتهمنا بالعمل على تنفيذ سياسة اسمها الهبوط الناعم، لكنه كمشروع، يجب أن يتم تعريفه من قِبَل من يتهموننا به. وإلى الآن، لا يوجد أي تعريف دقيق لهذا المفهوم (الهبوط الناعم). نحن ذهبنا إلى الخرطوم لأننا جزء من قوى الحرية والتغيير، وللمساهمة في دعم الحراك. ومشاركتنا في التفاوض كانت بمشاركة أعضاء وفد الحرية والتغيير. كذلك اجتمعنا كحركة شعبية مع المجلس العسكري، وناقشنا قضايا واضحة ومعروفة مثل قضية إنهاء الحرب وتحقيق السلام والمسائل الإجرائية مثل المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح الأسرى وإلغاء الأحكام الجائرة ضد قادة حركات الكفاح المسلح. كما طالبنا بتوقيع إعلان سياسي لوقف الحرب، ليكون مدخلاً إلى تحقيق اتفاق سلام في الفترة المقبلة، وقد أصدرنا بياناً توضيحياً لجميع خطواتنا في الخرطوم.

قلتم إنكم تحدثتم عن قضايا الحرب، ما هو التصور الذي قدمتموه في شأنها، باعتبارها تسبق الانتقال السياسي وتكوين حكومة انتقالية؟
- من المعروف أن قضايا الحرب تتعلق بمناقشة أسباب اندلاع الحرب وخصوصيات مناطق الحرب، مثل القضايا الثقافية والاجتماعية وتلك المتعلقة بالأرض. تأتي بعدها مسألة الترتيبات الأمنية، ومن ثم القضايا القومية مثل الديموقراطية وقضايا التنمية. كما طالبنا بوقف إطلاق النار الشامل، ومناقشة دخول المساعدات الإنسانية، إلى جانب إصلاح الجيش والقطاع الأمني. نحن نريد جيشاً يعبر عن التنوع الموجود في السودان، جيشاً يحمي مصالح السودانيين كلهم، وقلنا إن ذلك يتم عبر خطوات مثل تكوين مجلس دفاع مشترك يساهم في بناء الجيش، بعدما تعرض لهزات كبيرة بفعل التسييس المتعمد. طرحنا كذلك قضية نظام الحكم اللامركزي، الذي يعتبر بالنسبة إلينا من أفضل النظم التي يستحقها السودان. وبعد حلّ جميع تلك القضايا، تتم تهيئة المناخ لإقامة انتخابات عامة في السودان.