أعاد «المجلس العسكري الانتقالي» العملية السياسية التي اتسمت منذ الانقلاب على الرئيس المخلوع عمر البشير في 11 أيلول/سبتمبر الماضي بالشد والجذب بينه وبين تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير»، إلى النقطة الصفر، باتجاهه نحو رفض المبادرة الإثيوبية، على اعتبار أنها طرحت عليه منفردة إلى جانب مبادرة أخرى للاتحاد الأفريقي. وبذلك، أنهى المجلس الوساطة المدعومة أميركياً وأوروبياً، مع ما كانت تحمل من مقترحات، أهمها العودة إلى طاولة المفاوضات بالاتفاقات التي توصل إليها الطرفان في جولات المفاوضات الثلاث قبل فضّ الاعتصام بالقوة في الثالث من الشهر الجاري، ما دفع قوى «الحرية والتغيير» مساء أمس إلى تصعيد من جديد، تمثل في إعداد مسيرات ضخمة، حذر «تجمع المهنيين السودانيين»، المنظّم للاحتجاجات، من التعرض لها هذه المرة، على أن تتوّج بـ«مليونية 30 يونيو» نهاية الشهر، للمطالبة بتسليم السلطة.

وبعد ساعات من موافقة قوى «الحرية والتغيير» على المبادرة الإثيوبية أول من أمس، أعلن «المجلس العسكري» رفضه المبادرة، مطالباً بدمجها مع مبادرة الاتحاد الأفريقي. وأمهل المبعوث الإثيوبي، السفير محمود درير، ومبعوث الاتحاد الأفريقي، محمد الحسن لبات، حتى أمس لدمج المبادرتين في مبادرة مشتركة وتسليمها له، الأمر الذي لم يحدث، ما يعني نهاية الوساطة. وبينما يبدو أن هناك مقترحين للمرحلة الانتقالية، لم تعلن بنود الوساطتين رسمياً، سوى بتسريات ومصادر إعلامية، كشفت عن أن «الأفريقية» تقترح إلغاء الاتفاقات السابقة تماماً، التي كانت اتفاقاً حول «المجلس التشريعي» تحصل فيه قوى «الحرية والتغيير» على الأغلبية بنسبة 67%، وآخر حول مدة المرحلة الانتقالية المحددة بثلاث سنوات، فيما تقترح أن تحصل قوى «الحرية والتغيير» على 50% من الحكومة والبرلمان الانتقاليين.
أما الوساطة الإثيوبية المرفوضة من العسكر، فاقترحت وفق مسوّدة حصلت عليها «الأخبار»، أن يكوَّن «المجلس السيادي» من سبعة أعضاء يرشّحهم «العسكري»، وسبعة آخرين ترشحهم «الحرية والتغيير»، على أن يتفق الطرفان على عضو مدني إضافي لضمان مبدأ الأغلبية المدنية في المجلس. وتنص المادة الثالثة من ورقة المبادرة على أن يرأس «العسكري» «المجلس السيادي» خلال الشهور الثمانية عشر الأولى، على أن ترأس قوى «الحرية والتغيير» المجلس خلال الثمانية عشر المتبقية.
وبشأن «المجلس التشريعي»، اقترحت المسودة بناءً على المادة الثانية أن ترشّح «الحرية والتغيير» 67% من الجمعية التشريعية الانتقالية البالغ عددها 300 عضو (بناءً على ما اتفق عليه الطرفان في مفاوضات سابقة)، مع عدم الإخلال بالمادة الأولى التي تقضي بأن يرشح الطرفان الـ33% المتبقية من أعضاء «التشريعي»، لضمان مشاركة جميع أصحاب المصلحة السياسيين في الحكومة الانتقالية من دون تضمين حزب «المؤتمر الوطني» الحاكم في عهد عمر البشير. وعن الحكومة، تنص المادة الخامسة على أن يتألف «المجلس التنفيذي» من تكنوقراط يختارهم رئيس الوزراء الانتقالي بناءً على مزايا مهنتهم، بالتشاور مع «الحرية والتغيير»، ويوافق عليه «المجلس السيادي». كما تنص وفقاً للمادة السادسة أن يستأنف الطرفان المفاوضات «في أقرب وقت ممكن لوضع اللمسات الأخيرة والاتفاق على جميع النقاط المتبقية والمعلقة بحسن نية». وطبقاً للمادة السابعة، يجب على أي طرف غير راضٍ عن سلوك الآخر أن يقدم شكواه إلى الوسيط، و«أن يمتنع عن أي روايات وأفعال استفزازية»، على أن يبدأ سريان هذه الاتفاقية عند توقيع الطرفين، وتبقى حتى تشكيل السلطة الانتقالية، وفق المادة الثامنة والأخيرة.

انتهت مهلة العسكر للمبعوثين الإثيوبي والأفريقي أمس من دون دمج المبادرتين


لكن المتحدث باسم «العسكري»، الفريق شمس الدين كباشي، أكد أن المجلس لم يدرس المبادرة الإثيوبية حتى مساء أمس ليقرر بشأنها، ملمّحاً إلى اتجاهه نحو إلغاء الاتفاقات التي توصل إليها المجلس مع «الحرية والتغيير» بوصفها «تفاهمات» غير رسمية. كما لمّح إلى اللجوء إلى «تكتلات سياسية وتكتلات شبابية ظهرت في الساحة، وتريد أن تكون جزءاً من الحل» كما قال، في تأليف حكومة تكنوقراط كان قد أعلن رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، ونائبه محمد حمدان دقلو الملقب بـ«حميدتي»، عزمهما تأليفها، بتفويض من «الإدارات الأهلية» التي أحلّها الأخير محل «التشريعي» المنشود، وذلك بعد لقاءات مع «مفوضين» عن القبائل، مع أن بعضها نفى الاتفاق مع المجلس رافضاً تمثيله عبرهم.
إضافة إلى «الإدارات الأهلية» المقربة من «حميدتي»، يبدو اتجاه «العسكري» نحو إقصاء «الحرية والتغيير» من الحكومة في دعوته أحزاباً، ظلت حليفة للنظام السابق حتى لحظة سقوطه، إلى التشاور والحوار، من بينها «تنسيقية القوى الوطنية» (تضم 7 كتل سياسية داخلها 21 حزباً)، التي أعلنت رفضها التام للمبادرة الإثيوبية، لأنها «تمارس ذات الإقصاء السياسي» الذي سبق أن رفضته خلال المفاوضات الثنائية قبل مجزرة فض الاعتصام، وهو رفض يستند إليه العسكر في رفض المبادرة، كما بدا في حديث البرهان إلى الوسيطين، أول من أمس، حين نبّههما إلى طول المدة التي أمضياها، بأن تشكلات سياسية وشبابية جديدة تشكلت على إثرها، «الأمر الذي يستوجب استصحابها للتوصل لحل شامل في البلاد» كما قال. وفي قوله، إضافة إلى تلميحه إلى إلغاء الاتفاق السابق، يدعم مجلس البرهان مبادرة «التنسيقية» المذكورة للحل، وقد عرضت إلغاء الاتفاقات مع «الحرية والتغيير»، واقترحت إنشاء «مجلس سيادي» من سبعة عسكريين وستة مدنيين، على أن يكون المدنيون ممثلين باثنين منها، واثنين فقط من «الحرية والتغيير»، واثنين من «شباب الثورة»، كما أعلن القيادي فيها محمد علي الجزولي. أما «المجلس التشريعي»، الذي يضم 300 عضو، فاقترحت «التنسيقية» أن يقسم بواقع 90 عضواً منها، و90 عضواً من «الحرية والتغيير»، و90 «من الثوار»، وعشرة من الأحزاب غير الموقعة، سواء على «إعلان الحرية والتغيير» أو «التنسيقية». وفي ما يخص الحكومة، اقترحت أن تكون نسبة مشاركتها 30%، وبالمثل لـ«الحرية والتغيير»، وأيضاً لشباب الحراك (30%)، و10% لغير الموقعين على «إعلان الحرية والتغيير» أو «تنسيقية القوى الوطنية»، على أن يرشح شخص رئيس مجلس الوزراء من جميع هذه المكونات الأربعة، ليختاره بعد ذلك «السيادي».
وفي طريقه نحو كسر «هيمنة» قادة الحراك على المشهد، في ظل قدرته على تسيير الاحتجاجات، ومحاولته خلق توزان سياسي باعتبار أنه «يستمد قوته من الشعب»، لا يعمل «العسكري» على جبهة القوى الخارجة عن «إعلان الحرية والتغيير» عبر «التنسيقية» فحسب، بل يتواصل مع تحالفات جديدة ظهرت أخيراً، أبرزها «تحالف القوى الوطنية» و«تحالف نهضة السودان»، حتى إنه حاول استمالة الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) بتغيير نظامه، لكنه فشل حين «ظهرت المصالح والأجندة الخاصة» كما قال «حميدتي» في لقاء مع قبائل شرق النيل السبت الماضي. ورأى نائب رئيس المجلس أنه «كان يمكن تكوين الحكومة بعد ثلاثة أيام من تغيير نظام المؤتمر الوطني» لولا ظهور تلك الأجندات. عوضاً عن ذلك، يلجأ العسكر إلى الحركات المسلحة لإدخالها في العملية السياسية. فقد شكل المجلس «لجنة عليا» برئاسة «حميدتي» للوصول إلى تفاهمات معها، وذلك كما يبدو في إطار مبادرة جنوب السودان التي حملها أخيراً مستشار الرئيس للشؤون الأمنية، توت قلواك، إلى الخرطوم، وهي تتضمن ملفين: الأول مقترح حل للأزمة، والثاني دخول «العسكري» في تفاوض مع الحركات المسلحة، والتوقيع على اتفاق لتكون جزءاً من القوى السياسية.
ويسعى المجلس إلى زيادة المبادرات التي تسمح له بالمماطلة في تسليم السلطة، والنظر إلى العروض الأفضل، ودفع قوى جديدة للمطالبة بالمشاركة في السلطة. وهي في أسوأ الأحوال تبقى أفضل له من أي اتفاق ثنائي مع قوى «الحرية والتغيير»، التي يستفيد من مبادرات بعض أطرافها، كدعوة رئيس «تحالف نداء السودان»، زعيم حزب «الأمة القومي»، الصادق المهدي، إلى تشكيل كيان وطني موحد من المبادرات كافة.