في ظل تحديات متزايدة، سياسية تمثلت بتصعيد قوى «الحرية والتغيير» وعودتها إلى الشارع، واقتصادية مع بروز دعوات تطالبه بتحقيق استقرار اقتصادي، يمضي «المجلس العسكري» في خطوات بدأها قبل إعلان رفضه الوساطة الإثيوبية، من شأنها إقصاء تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» من حكومة يعتزم تشكيلها في إطار مرحلة انتقالية يسعى إلى فرضها، تنتهي بالدعوة إلى انتخابات عامة. وبالتالي، يحاول الالتفاف على مطالب أميركية وأوروبية بتقديم «سلطة مدنية» تشترطها لتطبيع العلاقات، تكون بتمثيل أقل لقوى «الحرية والتغيير»، بعيداً عن الاتفاقات التي أعلن أول من أمس إلغاءها باعتبارها «تفاهمات غير مكتوبة». وبذلك، يكون المجلس قد تجاهل دعوات واشنطن إلى عدم إجراء انتخابات والتزام الوساطة، لكنه للمفارقة، يعتمد في ذلك على حلفائها: السعودية والإمارات ومصر، فضلاً عن مسؤولين من بينهم النائب السابق في الكونغرس، جيم موران، الذي تبرَّأت السفارة الأميركية في الخرطوم من حضوره لقاء «الإدارات الإهلية» في منطقة أبرق شرق العاصمة الخرطوم، الذي نظمه نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي».

وبعدما تذرع المجلس بأن الوساطة الإثيوبية قُدمت إليه منفردةً ومغايرة عن مبادرة الاتحاد الإفريقي، نفى تحالف قوى «إعلان الحرية والتغيير» ــ بناءً على اتصالاته مع الوسطاء ــ وجود مبادرتين مختلفتين. لكنه في سبيل تثبيت موقفه، نظم احتجاجات مؤيدة له أمام سفارة أديس أبابا في الخرطوم، رفضاً للوساطة و«التدخلات الخارجية»، دعا إليها «الحراك القومي السوداني» المدعوم من المجلس.
وفي الوقت بدل الضائع، يسعى العسكر جاهداً للتوصل إلى تفاهمات مع قوى سياسية خارج «الحرية والتغيير»، معظمها كانت داعمة لنظام الرئيس المخلوع عمر البشير حتى سقوطه، بالإضافة إلى حركات مسلحة شكل «لجنة عليا» للتفاوض معها، بهدف دفعها إلى رفض المفاوضات الثنائية بينه وبين التحالف المعارض، وبالتالي فرض مشهد جديد يَفترض توسيع دائرة المفاوضات، وهو ما شدد عليه «حميدتي»، أول من أمس، بما يسمح له على الأقل التملص من الاتفاقات المبرمة مع قوى «الحرية والتغيير» في جولات المفاوضات الثلاث السابقة (حول «المجلس التشريعي» ومدة الفترة الانتقالية المحددة بثلاث سنوات).

يحاول «العسكري» استقطاب مبادرات قريبة من رؤيته للمرحلة الانتقالية


لكن محاولات «العسكري» في مغازلة الحركات المسلحة، اعترضها رفض بعض الحركات الحوار المنفرد معه «على حساب قوى الثورة»، كما أعلنت «الجبهة الثورية السودانية»، أمس، وهي تتكون من «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«حركة العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان ــ شمال» بقيادة مالك عقار، و«حركة تحرير السودان» (أخرى) بقيادة عبد الواحد نور، بالإضافة إلى «الحركة الشعبية لتحرير السودان» بقيادة عبد العزيز آدم الحلو، التي أعلنت رفض التفاوض مع المجلس، أمس. لكن في المقابل، ثمة تكتلات «هامشية» تدعم خطوات المجلس، من بينها «كتلة تحالف الأحزاب والتنظيمات المايوية» التي أعلنت قبولها تولي العسكر مهمات «المجلس السيادي» (يمثل رأس الدولة) إلى حين إجراء انتخابات.
إزاء تلك المحاولات، حذّر «تجمع المهنيين»، أمس، من الانفراد بتشكيل حكومة، مؤكداً تمسكه بالوساطة الإثيوبية والشروط التي قدمها إلى رئيس الوزراء آبي أحمد لاستئناف المفاوضات، من بينها تحمل المجلس وزر جريمة فض الاعتصام، وفتح تحقيق دولي في الهجوم، وإنهاء المظاهر العسكرية، ورفع الحظر عن الإنترنت، فيما تلقى قوى «الحرية والتغيير» في شروطها دعماً دولياً، ولا سيما أميركياً كما شدد المبعوث دونالد بوث، في أكثر من مناسبة، في ظل حراك دولي حثيث يرمي إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. إذ بدأ بوث، أمس، جولة جديد من المشاورات بين الطرفين، بالتزامن مع وصول وفد «الترويكا الأوروبية» إلى الخرطوم، حاملاً معه وعوداً «اقتصادية» في حال تشكيل سلطة مدنية، أعلنها المبعوث البريطاني الخاص، روبرت فيروزر، أمس.
لكن «المجلس العسكري» يتجاهل المبادرة المدعومة دولياً، محاولاً استقطاب مبادرات قريبة من رؤيته للمرحلة الانتقالية، محلية، من سبيل مبادرة تحالف «تنسيقية القوى الوطنية» التي تنضوي فيها القوى السياسية المشاركة في النظام البائد، أو خارجية، من سبيل مبادرة جنوب السودان، التي لم تعلن بنودها بعد. وهو يسعى من خلال هذه المبادرات إلى توسيع خياراته تحت عناوين شتى، من سبيل «رفض التدخل الخارجي». كذلك، يستفيد المجلس في هذا الإطار، من تغريد بعض قوى «الحرية والتغيير» خارج سرب التحالف، مثل زعيم حزب «الأمة القومي» الصادق المهدي، الذي يتجه إلى تبني مبادرة جديدة بعدما اعتبر المبادرة الإثيوبية غير مؤثرة على الساحة، لم يكشف عن بنودها، أمس، لكن صحيفة «الاتحاد» الإماراتية كانت قد كشفت عن ملامحها في الـ7 من الشهر الحالي، على أنها ترتكز على ثلاثة محاور: أولها إنهاء «مظاهر العسكرة» في الشارع، وثانيها «تكوين لجنة تحقيق دولية أو إقليمية في أحداث فضّ الاعتصام»، وثالثها مفاوضات بين «العسكري» وقوى «الحرية والتغيير»، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للحراك الشعبي، لكن «من طريق طرف ثالث محايد، وليس بصفة مباشرة»، وهو ما بدا غير مجدٍ خلال تجربة آبي أحمد.