جوبا | تحاول جوبا، عبر المبادرة الأخيرة التي طرحتْها على طرفَي الأزمة في السودان، «المجلس العسكري الانتقالي» وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، أن تؤكد امتلاكها مفاتيح كثيرة يمكن أن تٌحدث من خلالها اختراقاً في ملف الانتقال السياسي. مبادرة جنوب السودان، التي طُرحت الأسبوع الماضي، تتكوّن من شقين: الأول يبحث كيفية الانتقال السلمي نحو حكومة مدنية، والثاني يناقش قضية الحرب وتحقيق السلام بجمع الحركات المسلحة الموجودة في الجنوب مع «العسكري». المقترح الأخير سرعان ما تلقّفه «العسكري»، بإعلان تشكيل «لجنة تفاهم» مع تلك الحركات برئاسة نائب رئيس المجلس، محمد حمدان دقلو، المُلقّب بـ«حميدتي»، مستهدفاً من وراء إعلانه شقّ صفوف «الحرية والتغيير»، وكسر الثنائية التي يحاول التحالف المعارض تثبيتها مع المجلس بما يخدم مطالب الحراك الشعبي. أما هدف الوسيط، فهو تسخير الضغط على الحركات الموجودة لديه للحفاظ على مصالحه، بضمان سيطرة «العسكري» على تركيبة الحكم المقبل، الأمر الذي تدعمه القاهرة، التي تستضيف بدورها هذه الأيام وفداً حكومياً من جنوب السودان، كان سابقاً في الخرطوم للترويج لمبادرة الرئيس سلفا كير مَيارديت.

يعتمد جنوب السودان في مبادرته على العلاقات التاريخية التي تجمعه مع فصيلَي «الحركة الشعبية لتحرير السودان» (الأول بقيادة مالك عقار والثاني بقيادة نائبه عبد العزيز آدم الحلو)، ويحاول استغلالها في سبيل توطيد وجود «العسكري». وتعتقد جوبا أن من شأن هذا التكتيك عرقلة المبادرة الإثيوبية المتضمّنة نقاطاً لمصلحة «الحرية والتغيير»، التي ترى حكومة الجنوب أنه يصعب معها تحقيق بعض التفاهمات المتعلقة بالضغط على القيادات المعارِضة الجنوبية المقيمة في الخرطوم، من مثل رياك مشار (نائب رئيس جمهورية جنوب السودان سابقاً وزعيم المعارضة المسلحة)، إلى جانب جماعات أخرى كانت تستخدمها حكومة الإنقاذ بقيادة البشير كورقة ضغط على الجنوب. أما حركات دارفور، التي تنشط على الحدود الطويلة بين السودان وجنوب السودان، ويتحرك قادتها بين جوبا والعاصمة الأوغندية كامبالا، وخاصة «حركة تحرير السودان» بقيادة مني أركو مناوي، و«العدل والمساواة» بقيادة جبريل إبراهيم، فتحتاج حكومة الجنوب إلى وضع آلية مشتركة مع الشمال في شأنها.

تدعم القاهرة، ومعها عواصم «الثورة المضادة»، المبادرة الجنوب ــــ سودانية


وعلى رغم التفاؤل الذي يبديه جنوب السودان بإمكان نجاح مبادرته، بحكم قدرته على التأثير في الحركات التي تحارب الخرطوم، إلا أن ردود تلك الحركات جاءت «بما لا تشتهي سفن» جوبا. إذ أعلنت «الحركة الشعبية» ومجموعات دارفور المسلحة رفضها الجلوس مع «العسكري» منفردة، بعيداً عن «الحرية والتغيير»، مؤكدة أنها لن تكون «مطية يستخدمها العسكري للقضاء على ثورة الشعب السوداني». مع ذلك، يرى بعض المحللين أن هذه المبادرة «ستحقق نجاحاً منقطع النظير»، كما يقول الصحافي والمحلل السياسي السوداني، عمار عوض، عازياً الأمر إلى أن «جنوب السودان راكم خبرة ستعينه في إدارة التفاوض»، مضيفاً إن «القيادة الجنوبية لديها إلمام بالأسباب التي قادت السودانيين إلى السلاح، لأنها كانت جزءاً من هذا النضال، ما سيجعلها قادرة على تقديم حلول واقعية ومقبولة للطرفين».
لكن آخرين، من بينهم الكاتب في صحيفة «السوداني»، عمرو شعبان، ينبهون إلى أن المبادرة الجنوب ــــ سودانية تخلق انطباعاً بأنها تصبّ في نهاية المطاف في مصلحة «حميدتي»، وخصوصاً أنها تتجاوز رؤية «الحرية والتغيير» لملف «السلام الداخلي»، وهو ما يجعل التحالف المعارض غير راغب في التفاعل معها. كما أن الحركات المسلحة نفسها، سواء المنضوية ضمن التحالف المعارض أو التي تقف على الحياد، رفضت الجلوس مع «العسكري». ومن هنا، يدعو شعبان إلى «تعديل مسار المبادرة حتى تخاطب جميع الأطراف: قوى التغيير والمجلس العسكري والحركات المسلحة». كما يشدد على ضرورة توحيد فصائل الحركة الشعبية في الشمال، لأن ذلك «سيعطي انطباعاً إيجابياً لبقية حركات دارفور عن جدية جنوب السودان في هذا الشأن، ما يجعلها تنصاع أيضاً لمبادرة سلفا كير». وفي الاتجاه نفسه، يرى مستشار تحرير صحيفة «صوت جنوب السودان»، أجو لول، أن «أي مبادرة لا تقوم على توحيد الحركة الشعبية بجناحيها، وحركات دارفور المتمردة، لن تفضي إلى تقارب من شأنه أن يوقف الحرب في السودان».
على أي حال، تظلّ مبادرة جوبا، إلى الآن، غير مكتملة المعالم، إلا أن الثابت فيها، على ضوء ترحيب «العسكري» بها وتحفّظ «الحرية والتغيير» والحركات المسلحة عليها، أنها تأتي لتعزّز أوراق الأول، الذي لا يزال يتملّص من تلبية مطالب التحالف المعارض، ويحاول الالتفاف على المبادرات الإقليمية المدعومة من بعض الجهات الدولية، على رغم أن الأخيرة لم تستتبع حتى اللحظة ضغطاً من شأنه حمل قادة المجلس على التنازل. كذلك، يبدو «العسكري» مطمئناً إلى «حديقته الخلفية»، التي يعتقد أن أي خطوة تصعيدية إضافية من جانبه، من مثل تشكيل حكومة طوارئ، ستكون مدعومة من قِبَلها من خلال الاعتراف بها ومن ثم التعامل معها. وما يضاعف قلق «الحرية والتغيير» أن التحركات الجنوب ــــ سودانية على خط السودان تبدو مدعومة من قِبَل محور «الثورة المضادة».