الخرطوم | مع انسداد أفق الحل السياسي في السودان، جراء إصرار المجلس العسكري على مواجهة الحراك الشعبي المتعاظم بمزيد من التشبث بالسلطة، لم يعد احتمال حدوث انقلاب عسكري، سواء من داخل المجلس نفسه أم من خارجه، مستبعداً. وهو أمر يعيه مسؤولو المجلس أنفسهم، وفق ما أوحت به التصريحات الأخيرة لرئيسه، عبد الفتاح البرهان، التي قال فيها إن «البلاد الآن تعيش بلا حكومة لمدة ثلاثة أشهر، وقد يؤدي ذلك إلى انقلاب بحجة عدم وجود حكومة تصرّف شؤون البلاد».

فراغ سياسي يضاعف «الخطر» الذي ينطوي عليه استمرار الأزمة الاقتصادية التي شكلت الشرارة الأولى لاندلاع الاحتجاجات في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. ومن المفيد، هنا، التذكير بإعلان «العسكري» إحباط محاولتين انقلابيتين الشهر الماضي، خططت لهما، وفق المجلس، «مجموعة من أقلّ من عشرين ضابطاً». وعلى رغم الشكوك التي تحيط بهذه الرواية، وسيادة اعتقاد لدى المتابعين بعدم وجود محاولة انقلابية من الأساس، إلا أن إعلان المجلس يعبّر عن مخاوفه من تحقق سيناريو من هذا النوع، وهو بالتالي أراد إيصال رسائل إلى رفقاء السلاح بأن أعين «العسكري» ترصد كلّ من يفكر في أي محاولة انقلابية.
وفضلاً عن حالة الفراغ السياسي في البلد ذي التاريخ الطويل في الانقلابات، فإن أطماع المجلس الذي يعتبر امتداداً لنظام البشير، ومحاولاته المستميتة الاستئثار بالسلطة، أضحت غير خافية على أحد، لا سيما بين الرتب الوسطى والصغرى في الجيش. أصحاب هذه الرتب لا تُستبعد انتفاضتهم على المجلس بعدما أفقدهم قادة الجيش، الممثلون في رئاسة الأركان و«العسكري»، الكثير من هيبتهم وسط الشارع الذي ظلّ يكنّ لهم احتراماً خاصاً، قبل أن يعتبرهم داعمين لعسكرة السلطة في وجه تطلعاتهم.

تتزايد حالة الغبن لدى الضباط والجنود بسبب امتيازات «الدعم السريع»


لكن، بحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «الأخبار»، فإن قيادة القوات المسلحة قامت، إبان الاعتصام المفتوح أمام مقر القيادة العامة، بتجريد عناصر الفرق الموجودة هناك من أسلحتهم، حتى لا ينحازوا إلى الثوار. ولعل عدم تمكن تلك الفرق، في حينه، من حماية المعتصمين، هو الذي يدفع محللين إلى استبعاد فرضية قيام ضباط بعملية انقلابية، لأن «تجربة عدم حمايتهم للمعتصمين أثبتت أن القوات المسلحة لا تمتلك درجة من الاستقلالية التي تمكّنها من القيام بفعل يصل إلى درجة انقلاب»، وفق ما يرى المحلل السياسي حاج حمد. ويصف حمد، في تصريح إلى «الأخبار»، ما يحدث الآن بأنه «تنازع مراكز قوى قد يفرز صراعات دموية»، محدّداً هذه المراكز بـ«أربعة: الدعم السريع، والجيش، وفلول النظام السابق والأحزاب الموالية له، وقوى الحرية والتغيير»، معتبراً أن «أحد تلك المراكز يتحرك لإحداث تغيير دموي ذي طابع انقلابي». ونبّه إلى أنه «في حال استمرار صراع مراكز القوى، ووصوله إلى حدّ إطاحة الآخر أيّاً كان، فإنه حينئذ يعطي التدخل الدولي الشرعية، عبر قوات دولية تحت مظلة الاتحاد الأفريقي».
من جهة أخرى، ثمة شعور متزايد لدى ضباط القوات المسلحة وجنودها بالغبن، بسبب الامتيازات المعطاة لقوات «الدعم السريع» منذ عهد الرئيس المخلوع. وهو شعور تضاعف في ظل صعود نجم قائد تلك القوات، نائب رئيس «العسكري»، محمد حمدان دقلو، الملقب بـ«حميدتي». وهذه نقطة تحدث عنها زعيم حزب «الأمة القومي»، الصادق المهدي، أمس، بوضوح، عندما اعتبر فيها أن على البلاد تجنّب التوترات بين قوات «الدعم السريع» والجيش بأي ثمن، وإلا فإنها تخاطر بالمزيد من الاضطرابات، داعياً «حميدتي» إلى دمج قواته ضمن الجيش لـ«تحاشي هذه الحرب الأهلية، وكل أشكال الصراع التي يحتمل أن تحدث».
ما سبق مجرد احتمال أول، تضاف إليه احتمالات أخرى على رأسها إمكانية وقوع صراع داخل المجلس العسكري نفسه، إذ على رغم حالة التناغم التي تبدو بين أعضائه، وتأكيدات البرهان أن قوات «الدعم السريع» جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، إلا أن ذلك قد لا يمنع قيادة المجلس من التخطيط لإطاحة «حميدتي»، مراهنة في ذلك على أن عملية من هذا النوع ستلقى تأييداً شعبياً، على اعتبار أن «الدعم السريع» هي التي تصدّرت مشاهد القتل والعنف، فيما ظلّت بقية الأصابع العسكرية في الخلف، وعليه فبالإمكان استثمار حالة الرفض لـ«تاجر الإبل». احتمال يتحسّب له «حميدتي»، مستنداً في حساباته إلى قواته وعتاده، فضلاً عن فقدان قادة المجلس السند من الضباط والجنود في الجيش (وذلك تحديداً هو الذي قد يدفع القوات المسلحة إلى الانقلاب على قيادتها، لعلمهم بضعفها وسيطرة قائد «الدعم السريع» عليها)، لكن المحلل السياسي حاج حمد يعتقد أن «حميدتي» لا يسعى إلى أن يكون الحاكم، بل ليكون «القوة الضاربة المتنفذة، المسيطرة على ثروات البلاد، والمتصرفة في مواردها كما تشاء، والبعيدة عن المحاسبة، وأن تكون الضامن للسلطة، وهو بذلك (حميدتي) يضمن أن أي سلطة ستأتي لن تتحرك بعيداً عن مداره ومصالحه» الداخلية والخارجية.