الخرطوم | انقسمت الآراء حيال «الإعلان الدستوري»، الذي تم التوقيع عليه أمس، بين مؤيد له على اعتبار أنه يفتح الباب على بدء المرحلة الانتقالية، ومتحفّظ عليه من زاوية أنه يمنح العسكر الكمّ الأكبر من المكتسبات، وشبه رافض له كونه خالف «وثيقة السلام وترتيبات الفترة الانتقالية». انقسام يمثل تحدّياً رئيساً أمام وضع الوثيقة على سكة التنفيذ، إلى جانب تحدّيات أخرى؛ على رأسها صدق نيات المجلس العسكري.

على رغم تحفّظ بعض مكوّنات «الحرية والتغيير»، وعلى رأسها «الحزب الشيوعي»، على أصل التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي بعد كل الجرائم التي ارتكبها الأخير، توصّل طرفا التفاوض ــــ التحالف المعارض والمجلس ــــ إلى التوافق على «الإعلان الدستوري»، الذي يضع الأطر القانونية والدستورية لهياكل الحكم الثلاثة (المجلس السيادي، مجلس الوزراء والمجلس التشريعي) خلال 39 شهراً هي مدة الفترة الانتقالية. ووقّع الطرفان، أمس، بالأحرف الأولى، على الوثيقة الدستورية، التي تم بموجبها إلغاء العمل بدستور السودان الانتقالي لعام 2005، على أن يتم التوقيع النهائي عليها في الـ 17 من آب/ أغسطس الحالي. وبمجرد التوقيع النهائي، سيُحلّ تلقائياً المجلس العسكري، ويتم تشكيل مجلس السيادة الذي يمثل رأس الدولة ورمز وحدتها وسيادتها، والذي يتكوّن من 11 عضواً، خمسة مدنيين تختارهم قوى «الحرية والتغيير»، ومثلهم من العسكر يختارهم «العسكري»، على أن يكون العضو الـ 11 مدنياً يتم اختياره بالتوافق بين الطرفين. وفي الـ 20 من الشهر ذاته، سيتم الإعلان عن رئيس الوزراء، الذي سيُمنح مهلة ثمانية أيام لتأليف حكومته والإعلان عنها في الـ 28 من الجاري، ليكون السلطة التنفيذية العليا في البلاد.
وكادت الأحداث الدامية، التي أعقبت التوقيع على «الإعلان السياسي» منتصف الشهر الماضي، تعصف بمجمل العملية التفاوضية. إذ وجدت قوى «الحرية والتغيير» نفسها مجدداً بين مطرقة الشارع الرافض للتفاوض مع العسكر بعد مقتل المتظاهرين السلميين، وسندان الاستمرار في التفاوض لتأليف الحكومة المدنية والاقتصاص للقتلى. لكن، وعلى رغم الضغوط الكبيرة التي تعرّض لها التحالف المعارض لتعليق التفاوض مع «العسكري» بعد أعمال القتل التي شهدتها البلاد في خلال الأسبوع الماضي، وراح ضحيّتها عشرة أشخاص، إلا أن التحالف انحاز على ما يبدو إلى تيار آخر في الشارع، يرى أن تحقيق العدالة الناجزة ووقف مسلسل الدم لن يتأتّيا إلا بالتعجيل بتأليف حكومة مدنية تحتكم لسيادة القانون. ويرى محللون أن مرتكبي تلك الأعمال هم أذيال النظام السابق وكتائب ظلّه، الذين يريدون عرقلة المفاوضات خشية المحاسبة.

مني أركو مناوي: تقدّمنا بمشروع الخروج من الخلل البنيوي التاريخي، لكننا خُذلنا


ويُعوَّل على رئيس الوزراء المقبل في تسيير عجلة الإصلاح الاقتصادي خلال المرحلة الانتقالية، ومحاسبة الفاسدين ورموز النظام القديم، بالإضافة إلى سحب السلاح المنتشر لدى كتائب النظام البائد كـ«الأمن الشعبي» و«الدفاع الشعبي»، ومراجعة وضع قوات «الدعم السريع»، وكذلك الحدّ من ظاهرة التسلح الشخصي، وخصوصاً أن منسوبي النظام السابق يمتلكون أسلحة شخصية صغيرة بموجب قانون تم سنّه في العهد البائد ذاته. وفي هذا الإطار، يخشى متابعون من تأثير اللوبيات والتحالفات وأصحاب المصالح على مهمات رئيس الوزراء المقبل. وبرز اسم الخبير الاقتصادي، عبد الله حمدوك، كأقوى المرشحين للمنصب، لكنّ ثمة شكوكاً في سيرة الرجل وتاريخه العلمي والعملي، على الرغم من الزخم الشعبي الذي يحيط به.
ومرة أخرى، انقسم الشارع حول الإعلان الدستوري. إذ رأى البعض أنه منح أغلب السلطات لـ«المجلس السيادي»، وبالأخص المكوّن العسكري منه الذي سيرأسه خلال الـ 21 شهراً الأولى، بينما يرأسه المدنيون خلال الـ 18 شهراً المتبقية. كذلك، منح الاتفاق المكوّن العسكري الحق في إصلاح القوات المسلحة، وهو ما يعتبره المحلل السياسي حاج حمد تنازلاً كبيراً من قوى «الحرية والتغيير»، يمكن أن يؤثر على مسار الإصلاحات في المؤسسات العسكرية. ويقول حاج حمد في تصريح إلى «الأخبار»: «يبدو أن السطوة العسكرية على البلاد لمدة ثلاثين عاماً كانت كبيرة، فالعسكر في الاتفاق الموقّع لم يضمنوا مشاركتهم فقط، بل ضمنوا أن يتم إصلاح المؤسسة العسكرية من داخلها وفق القوانين العسكرية». غير أن حمد يستدرك بالقول إن «قوة الشارع لن تمكّن العسكر من الحفاظ على الفساد المالي والإداري الذي كان في المؤسسة العسكرية طيلة ثلاثين عاماً». وعلى رغم اعتباره أن «الروح التي غلبت على المفاوضات كانت روح الشراكة أكثر منها روح المشاكسة، وهو شيء إيجابي يعطي أملاً بأن الفترة الانتقالية لن تشهد تجاذبات سياسية بين الحرية والتغيير والعسكريين»، إلا أنه يبدى تحفظاً على تنازل القوى المدنية مرة أخرى، بتركها تكوين مفوضيات الدستور والانتخابات والحدود للعسكر. وفي هذا الإطار، يرى أن «مفوضية الدستور والانتخابات يجب أن يكون تشكيلها للسلطة التنفيذية، لأنها من أدوات المرحلة الديموقراطية التي تعقب الفترة الانتقالية»، متحدثاً عن «تقسيم مختلّ لا يعتمد على التوازن، وهو من الفجوات في الوثيقة الدستورية».
وفي أول رد فعل بعد التوقيع على الوثيقة الدستورية، أعلنت «الجبهة الثورية»، التي تتكون من «حركة تحرير السودان»، برئاسة مني أركو مناوي، و«الحركة الشعبية ــــ قطاع الشمال»، بقيادة مالك عقار، و«حركة العدل والمساواة»، بقيادة جبريل إبراهيم، تشكيل لجنتين، واحدة سياسية وأخرى قانونية، للتعاطي مع الموقف الجديد، والرد على الاتفاق الذي «رفض السلام بشكل قاطع»، بحسب تعبير مناوي، الذي أشار في تغريدات على «تويتر» إلى أن «الجبهة الثورية تقدمت بمشروع الخروج من الخلل البنيوي السوداني التاريخي، لكنها خُذلت»، متوجهاً بالشكر إلى «مواقف بعض القادة الذين أبرزوا وطنيتهم، لولا القمع الذي أصابهم من النادي المحافظ». من جهته، علّق إبراهيم على الوثيقة الدستورية بالقول إن «قضايا محورية في وثيقة الجبهة الثورية لم تجد طريقها إلى الوثيقة الدستورية». وكانت قوى «الحرية والتغيير»، قائدة الحراك الجماهيري في السودان، و«الجبهة الثورية»، قد اتفقتا، في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، على ما عرف بـ«وثيقة السلام وترتيبات الفترة الانتقالية»، للتفاوض عليها مع العسكر.