في أجواء احتفالية في الخرطوم، جرت مراسم توقيع «الوثيقة الدستورية» الحاكمة لمرحلة انتقالية في السودان مدتها 38 شهراً، والتي تنصّ على إصلاحات هيكلية في مجالات التشريع والاقتصاد والسلطة التنفيذية، مثل تشكيل مجلس تشريعي في غضون ثلاثة أشهر من التوقيع (منتصف تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل)، ودمج قوات «الدعم السريع» في المؤسسة العسكرية الوطنية، من دون أن تتضمن حلولاً آنية لمشكلة السلام والمهمشين في دارفور وشمال كردفان والنيل الأزرق، مثلما كان متفقاً عليه مع قوى المعارضة المسلحة في أديس أبابا نهاية تموز/ يوليو الماضي، وهي إشكاليات تم تأجيل حسمها لفترة مدتها ستة أشهر تكتمل بحلول شباط/ فبراير 2020. كذلك، لا تتطرّق الوثيقة إلى عدد من البنود التي شكلت نقاطاً خلافية طوال المفاوضات، ومنها تكوين لجنة تحقيق دولية مستقلة في أحداث العنف ضد المدنيين، وحسم مسألة حصانة الجنرالات أمام أي مساءلة لاحقة، وطبيعة العلاقة بين مجلس السيادة والحكومة المتوقع تشكيلها الشهر الجاري، وتفصيل مسألة أوضاع القوات غير النظامية، سواء قوات «الدعم السريع» (التي تعمل كميليشيا في ملفات عديدة داخل السودان وخارجه، ويصعب دمجها فعلياً في أي مؤسسة وطنية مهنية بمنأى عن قيادتها)، أم قوات حركات المعارضة المسلحة في مناطق متفرقة.

وحظي التوقيع بتأييد شعبي كبير، خاصة من قِبَل قطاعات «قوى الحرية والتغيير»، وسط حالة تفاؤل بالغة ـــ ربما تشي بنشوة زائفة ــــ بشأن مجريات الأمور في المرحلة الانتقالية، على رغم عدم وجود ضمانات بتحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي، أو توفر مؤشرات على قدرة الحكومة المقبلة على القيام بإصلاحات تشريعية واقتصادية كبيرة في الفترة الانتقالية، في ظلّ استمرار رقابة مجلس السيادة برئاسة الجنرال عبد الفتاح البرهان على عملها (إلى جانب الدور المفترض للمجلس التشريعي). وهي إصلاحات يفترض أن تستهدف في المقام الأول ــــ حال سلامتها واستقلاليتها ــــ المؤسسة العسكرية والأمنية التي تستقطع الجزء الأكبر من موازنة البلاد على شكل رواتب ومخصصات.
كذلك، يلاحَظ أن قطاعات التيار الإسلامي الراديكالي في السودان ترفض بقوة الوثيقة، لا سيما لناحية نصّها على مدنية الدولة وتجنّبها النصّ على أن الإسلام هو دين الدولة (في خلط بين الوثيقة الدستورية والدستور)، وهي (أي تلك القطاعات) تعوّل على عامل الوقت في ظهور تناقضات الوثيقة. كما يعوّل التيار الإسلامي على إجراء الانتخابات في نهاية المرحلة الانتقالية للعودة إلى تصدر المشهد السياسي، بحسب ادعاءات متواترة من قياداته، ووسط اتهامات متكررة بالإقصاء منذ عزل عمر البشير.
وفيما تراجعت قدرة «الترويكا العربية» في السودان (السعودية، الإمارات، مصر) على التأثير في اللحظات الأخيرة في حسم مسألة توقيع الوثيقة (خاصة بعد فشل القاهرة في تقريب وجهات النظر بين «الجبهة الثورية» و«قوى الحرية والتغيير» قبيل ساعات من موعد التوقيع)، برزت إثيوبيا والوسيط الأفريقي كقوة دافعة باتجاه الحسم. كما تمثل ذلك الغياب في تراجع التمثيل الدبلوماسي لتلك «الترويكا» في الاحتفال، مقارنة بالحضور الرئاسي لأغلب دول جوار السودان (تشاد، إثيوبيا، أفريقيا الوسطى، جنوب السودان)، وما حظي به رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، من تقدير خاص وملفت خلال المراسم وما بعدها.

لا ضمانات بتحقيق انتقال ديمقراطي، ولا مؤشرات على قدرة الحكومة على القيام بإصلاحات


لكن، لا يمكن استبعاد وجود آلية لتقسيم العمل في السودان تبقى سارية في المرحلة المقبلة، خاصة أن البلد يواجه تحديات هائلة لا يخفف من وطأتها وضرورة مجابهتها بقوة التوصل للاتفاق. فقد واصلت إثيوبيا والاتحاد الأفريقي جهود الوساطة بدعم سياسي كبير ــــ بحسب مراقبين غربيين ــــ من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج (الترويكا)، وبما يتسق مع الدور الإقليمي الإثيوبي التقليدي (المدعوم على إطلاقه من واشنطن) في المنطقة. كما يسعى السودان إلى تعاون أوثق عسكري ــــ أمني مع جنوب السودان وتشاد من أجل كسب قوة تفاوضية أكبر إزاء جماعات المعارضة المسلحة (أو قوى «الجبهة الثورية» التي تفادت الوثيقة تسميتها). وتتطلّب رؤى الإصلاح الاقتصادي في المرحلة الانتقالية دعماً مالياً وتنموياً كبيراً من مجموعة من المانحين، وتنفيذ سياسات «تقنع» واشنطن برفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب، لتمكينه من «تطبيع» علاقاته مع المؤسسات الدولية، ومن ثم إعفائه من ديون مستحقة عليه تتجاوز 50 بليوناً من الدولارات. وقد رفضت واشنطن بالفعل اقتراحات طرحها مسؤولون ووسطاء من أجل رفع اسم السودان من اللائحة المذكورة «تشجيعاً» له، لكن يتوقع أن تعمد واشنطن في المرحلة المقبلة إلى تخفيف شروطها لتمكين الخرطوم من نوع من «التطبيع» الاقتصادي والسياسي.
وانطلاقاً من هذا المأزق، يظلّ على السودان ــــ الذي أكد قادته الجدد أن «أمن السعودية خط أحمر» ــــ استئناف سياسات البشير الخارجية باستمالة الدعم والمساعدات من دول الخليج، ومن بعض الأطراف الإقليميين (مثل تركيا)، لكن من دون وجود هامش كبير من المناورة التي اعتادها البشير. ومن ثم، فإن إعادة هيكلة الاقتصاد السوداني ستعتمد في المرحلة الانتقالية على دور إقليمي بارز يوحي بتقييد السياسة الخارجية السودانية، فيما لم يقدم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعوداً صريحة بدعم الاقتصاد السوداني مرحلياً حتى اللحظة.
وبلا شك، فقد خرج المجلس العسكري الانتقالي منتصراً في معركة التفاوض مع قوى الثورة السودانية، إذ نال المجلس رئاسة مجلس السيادة ــــ الذي سيكون الحاكم الفعلي للبلاد في المرحلة الانتقالية ـــ في الفترة الأولى (والأطول) من تلك المرحلة التي ستستغرق 21 شهراً. واللافت، هنا، هو احتفاظ نائب رئيس «العسكري»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بمنصبه في «السيادي»، في استنساخ موحٍ في دلالاته. كما احتفظ الجنرالات بحق تعيين وزيري الدفاع والداخلية لاعتبارات تتعلق بالأمن القومي السوداني، وهو ما يضمن استمرار «استقلالية» المؤسسة العسكرية والأمنية عن بقية مكونات الحكومة الانتقالية التي ترشحها «قوى الحرية والتغيير» ويعتمدها مجلس السيادة.
وفي المقابل، نجحت «قوى الحرية والتغيير» في تحقيق كثير من مطالب الثوار، خاصة في مجال الحريات الفردية (وإن ضمّت الوثيقة بنوداً يمكن تأويلها لتصبح تقييدات). كما حققت نقلة نوعية في اختيار رئيس وزراء مشهود له بالخبرة والكفاءة الحقيقيتين، والاستحواذ على ثلثي مقاعد المجلس التشريعي، وتولي رئاسة المجلس الرئاسي في الفترة الثانية من المرحلة الانتقالية لمدة 18 شهراً. وهي نجحت، أيضاً، في وضع المجلس العسكري أمام مسؤولياته، ودفعه إلى تبنّي خطاب أكثر توافقاً مع قوى المعارضة والتغيير والحكم المدني، ولو إلى حين.