الخرطوم | أمضى السودان الرسمي الأيام الماضية، منذ قسم «مجلس السيادة» يمينه الدستورية، في حالة اجتماعات ماراثونية، كان آخرها اجتماع تواصل لثلاثة أيام وانتهى في الساعات الأولى من صباح أمس، وسلّمت فيه قوى «إعلان الحرية والتغيير» رئيس الوزراء المكلف، عبد الله حمدوك، قائمة احتوت أسماء مرشحيها، ليختار منها من يشغل حقائب الجهاز التنفيذي خلال المرحلة الانتقالية المُحدّدة بثلاث سنوات وثلاثة أشهر، فيما يُفترض أن تكون الكفاءة هي القاسم المشترك بين من وردت أسماؤهم في تلك القائمة.

وفق بيان مقتضب على صفحة «الحرية والتغيير» على «فايسبوك»، سيجمع لقاءٌ مغلق حمدوك مع وفد مصغّر من القوى، عقب تسلّم الأول قائمة الترشيحات، وذلك لإكمال المشاورات، علماً بأنه جرى ترشيح ثلاثة أسماء لكل منصب. وكان لافتاً ظهور أسماء كانت تشغل عضوية لجان التفاوض، كعباس مدني عباس الذي يبدو الأوفر حظاً لشؤون مجلس الوزراء، كما ورد اسم عضو «لجنة صياغة الدستور» ابتسام سنهوري مرشحةً بارزة لحقيبة العدل. وأثار ظهور مثل هذه الأسماء جدلاً في الشارع، على اعتبار أن المعيار الأساسي كان يفترض أن يتمثل، إلى جانب الكفاءة، في تجنّب المحاصصة أو أسلوب الترضيات في شغل المناصب. ولم يغب عن القوائم بعض المرشحين من ذوي الخلفيات الحزبية، لكنهم يتفوقون إذا ما وضعوا في ميزان الكفاءة، كما تقول مصادر.
أياً يكن، فقد سبق لحمدوك أن أعلن، منذ حطّت قدماه في مطار الخرطوم، أنه سيكون «صارماً جداً» في اختيار الوزراء من قائمة «الحرية والتغيير»، مشدداً على أنه في حال لم تتوافر شروط الكفاءة في كل المرشحين، فسيُرجع القائمة مرة أخرى إلى القوى. هذا الكلام وجد صدى واسعاً في أوساط المواطنين الذين رأوا أنه معيار أساسي لتشكيلة الحكومة المقبلة. ووفق ما هو وارد في «الوثيقة الدستورية»، من المقرر أن يعلن رئيس الوزراء حكومته اليوم (28 آب/أغسطس). ولذلك، عليه أن يختار من بين 65 شخصية لشغل 14 حقيبة، إضافة إلى وزارتَي الدفاع والداخلية وأربعة مجالس أخرى (الثقافة والإعلام، والحكم الاتحادي، والتعليم العالي، والشؤون الدينية). كذلك سُرّب من الأسماء إبراهيم البدوي للمالية، وعمر قمر الدين للخارجية، وفيصل محمد صالح لمجلس الثقافة والإعلام.

ثمة اعتراض على نسبة التمثيل النسائي وتخوّف من تكرارها في البرلمان


وتنتظر الحكومةَ حالةٌ من الانهيار الاقتصادي، وعجز في الميزان التجاري، إلى جانب ارتفاع غير مسبوق في معدلات التضخم. ويرى متابعون أن الحكومة الجديدة، إضافة إلى التحديات المُرحَّلة من النظام السابق، يفترض بها الإسراع في معالجة ملفات عاجلة، منها الفيضانات والسيول التي اجتاحت أجزاءً واسعة من البلاد، تاركة آلاف الأسر في العراء، خاصة أن مناسيب نهر النيل تشهد ارتفاعاً غير مسبوق. كذلك، هناك الملف الأمني، بعدما اشتعلت الفتنة القبلية شرق البلاد، وتحديداً في مدينة بورتسودان، بين قبيلتَي البني عامر والنوبة، مُخلّفة عشرات القتلى، ما اضطر «السيادي» إلى عزل الوالي ومدير الأمن في الولاية وتعيين آخرين، في محاولة للسيطرة على الأزمة، فيما لا يستبعد ثوريون أن يكون وراء الأحداث منسوبو النظام السابق.
بالعودة إلى التشكيلة الحكومية، وعلى رغم ظهور عدد من المرشحات ضمن قوائم «الحرية والتغيير»، فإنه بالتزامن مع اجتماعات القوى للتوافق حول مرشحيها، نظمت النساء وقفات احتجاج، مطالِبةً بتمثيل عادل للمرأة في هياكل السلطة الانتقالية بنسبة 50%، إذ يرى عدد من الناشطات في الحركات النسوية أن «تمثيل المرأة في المرحلة الانتقالية غير متكافئ مع دورها العظيم في الثورة». في هذا السياق، تعرب إحسان فقيري، وهي مؤسِّسة حركة «لا لقهر النساء»، عن أسفها لضعف تمثيل المرأة على رغم «الإرث العظيم للحركة النسوية منذ 1952». ومع أن ترتيب «لا لقهر النساء» هو الخامس ضمن القوى الموقّعة على «إعلان الحرية والتغيير»، إلا أنه لم يسمح لها بالمشاركة في اللجان السياسية. تقول فقيري لـ«الأخبار» إنها طرقت جميع أبواب كتل «الحرية والتغيير»، لكن الأحزاب الموقّعة، «سواء من اليمين أم اليسار، جميعها لم نلقَ منها أيّ ردود إيجابية». ولذلك، تبدي قلقاً حتى من نسبة 40% التي وُعدت بها النساء في مقاعد المجلس التشريعي المزمع انتخابه.
في المقابل، يرى القيادي في «الحزب الشيوعي» و«قوى الإجماع الوطني»، صديق يوسف، أن حقوق المرأة لا تأتي بالمشاركة في القيادة السياسية، بل بالمواثيق التي يتم التوافق عليها. واستنكر يوسف، في حديث إلى «الأخبار»، مطالبة كيانات ما بمناصب سياسية «لمجرد توقيعها على الإعلان... الكتل التي تعمل ضمن لجان الحرية والتغيير، سواء كانت نداء السودان أم الإجماع الوطني، تعمل قبل 30 عاماً ضد النظام، وليس من الممكن لكيانات وُلدت أمس أن تطالب بوضعها في القيادة».