ريف دمشق | تأثّرت المؤسّسة التعليمية، كغيرها من مؤسّسات الدولة، على نحوٍ عميق بمسار الأحداث في سوريا. أجزاء واسعة من المعارضة المسلّحة، عدّت المدارس ودوائر التربية والتعليم جزءاً من النظام، فسعت إلى «إسقاطها» معه. وبالتدريج، بدأ النظام التعليمي يتهاوى، في المناطق التي سيطر عليها المسلّحون، وأصبح في حكم المنتهي هناك، بحسب المتابعين، ونشأ بدلاً منه نموذج أشدّ تخلفاً ورجعيّة من تعليم «الكتاتيب»، الذي كان سائداً قبل نشوء الدولة الوطنيّة، في أوائل القرن الماضي.


فبدلاً من التعليم، حلّت خطب دينية رديئة الصياغة، مليئة بالإشارات التي تحرّض على القتل والطائفيّة، والتنكّر للعلم الذي بات «بدعة» تهدف إلى النيل من قيم الدين وتعاليمه، بنظر «المعلمين» الجدد.
في عهد التظاهرات، كان يجري إيقاف الدوام على نحوٍ جزئي، بسبب تحوّل المدارس إلى ساحات للتظاهر، تقابلها مسيراتٍ للتأييد، في مشهدٍ يكرّر انقسام الشارع السوري ما بين موالٍ ومعارض. ومع ظهور المسلّحين، توقّف الدوام على نحوٍ تام، إذ منعت الاشتباكات وصول التلاميذ والمدرّسين إلى المدارس في مناطق عدة من ريف دمشق، وخصوصاً الجزء الشرقي منها. ولدى خروج مناطق بأكملها عن سيطرة الدولة، ونزوح معظم أهاليها، خضع من تبقّى من أطفال لنموذج «تعليمي» خاص بالجماعات الإسلامية المسلّحة، مثّلته «الهيئة الشرعيّة» في الغوطة الشرقيّة، بالإضافة إلى ظهور نشاط تطوّعي متواضع لمجموعات مدنية معارضة في تدريس الأطفال، وتأهيلهم نفسيّاً. وهذا النشاط الأخير، يكاد يتلاشى اليوم في كل مناطق ريف دمشق، نتيجة اتّساع رقعة النزاع المسلّح، وتدهور الأوضاع الإنسانيّة، واستحالة الدخول أو الخروج من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلّحة.

«لا دراسة ولا تدريس...»

في بداية الأحداث، كانت المدارس إحدى نقاط انطلاق التظاهرات المناوئة للنظام في مدنٍ وبلداتٍ عدّة من ريف دمشق، وظهرت على الشاشات، وقتذاك، تظاهرات لتلاميذ من مختلف المراحل الدراسية، رافعين شعار: «لا دراسة ولا تدريس حتى يسقط الرئيس»، الذي صيغ مثله العديد من الشعارات المرتبطة بقطاع ما أو مكان أو حدثٍ معيّن. يتذكّر عبد الغني سويد (19 عاماً)، النازح من دوما، تلك الأيام بكثير من الحنين، ويقول لـ«الأخبار»: «كان أجمل ما في الموضوع مناورة الأمن، ففي وقت يقوم هؤلاء بتفريق تظاهرة خارج المدرسة، كان الهتاف يتعالى من الصفوف، متضامناً مع التظاهرة، وما إن يدخل عناصر الأمن إلى الصفوف حتى يجدوا تلاميذ مهذبين خلف مقاعدهم». ويروي سويد كيف أنه وزملاءه كانوا يقومون بتظاهرات عدة في اليوم الواحد: أثناء الذهاب إلى المدرسة، وخلال الاستراحات بين الدروس، عند العودة إلى البيت؛ في تلك الأيام «كانت تسيطر على الناس فكرة أن النظام سيسقط خلال أيام، كما جرى في تونس ومصر. وبالنسبة لنا كان زمن الثورة القصير هذا، وقتاً مستقطعاً من حياة كلٍ منّا، استراحة استثنائية من حياة رتيبة ومملّة».
ثمّ ما لبثت أن بدأت الاشتباكات المسلّحة فتوقف الدوام في المدارس نهائياً. وتقول سميرة زيتون، معلّمة في زملكا، سابقاً، لـ«الأخبار» إنّ عناصر «الجيش الحرّ»، الذين كانوا يظهرون في البداية على نحوٍ خاطف في أوقاتٍ وأمكنة محدّدة، كانوا يمنعون تنقّل الحافلات الخاصة برياض الأطفال والمدارس، متذرعين بالحفاظ على سلامة الأطفال في حال نشوب اشتباك أو قصف، «إلا أن بعضهم كان يقول صراحةً: لا ترسلوا أولادكم إلى مدارس النظام، وكانت مقاييس هؤلاء سطحيّة إلى حدٍ بعيد، كتدريس مادة القوميّة، وانتشار صور الرئيس في الصفوف وفي بعض الكتب. متجاهلين أهميّة أن يدرس أبناؤهم وأخوتهم الرياضيات والعلوم ومواد الاجتماعيات وغيرها، بغضّ النظر عن صحّة آرائهم أو عدم صحّتها».
وخلال العام الدراسي 2011/ 2012، اقتصر الدوام فعلياً على أيام الامتحانات والاختبارات الأساسيّة، وبالأخص الشهادات العامة، ولكنّ الأذى هذه المرّة طال الكادر التدريسي والإداري في مختلف مناطق الريف. يقول أبو مالك، من داريّا: «قبل كل امتحان نهائي، كان المسلّحون يقومون بسلب الأسئلة الامتحانية بالقوّة من المدرسين، ويقومون بنشرها على الطلاب، رغماً عن إرادة الأساتذة المراقبين. وبسبب ذلك تعرّض الكثير من المدرّسين للضرب والإهانات لدى محاولتهم التصدّي لتلك المهزلة»، وحدث غير مرّة أن قام مسلّحون بتلاوة الأجوبة عبر مكبّرات الصوت، أثناء الامتحان، من خارج المدرسة بداعي «مساعدة» الطلاب.

بدائل المسلّحين: خُطب دينية مرعبة

تلاشى التعليم في «المناطق المحرّرة» من ريف دمشق مع «تحرّرها»، ووصل مجمل خسائر القطاع التربوي، في كل أنحاء البلاد، حوالى 100 مليار ليرة سوريّة، وبلغ عدد شهدائه 700، بينهم 200 طفل، حتى كانون الأول من عام 2013، بحسب وزارة التربية السوريّة. ولم تقتصر المعضلة على زوال النظام التعليمي وخسائره فحسب، بل تكتمل في البدائل التي أوجدتها الفصائل الإسلامية المسلّحة، إذ «لا أحد يستطيع حساب الخسارة اللاحقة في عقول الجيل المقبل من التلاميذ والأطفال، جرّاء ما يفعله بهم هؤلاء»، يقول أبو زياد، من منطقة دوما، واصفاً بدائل النظام التعليمي في الغوطة الشرقيّة، بأنّه شيء «لا يقبله عقل، ولا دين». فبحسب النظام الذي وضعته «الهيئة الشرعيّة» في الغوطة الشرقيّة، يجري إخضاع كل الأطفال للتدريس في المساجد على يد شيوخ الهيئة، خلال أوقات قصيرة جداً، بسبب ظروف الحرب والقصف، وبدلاً من تعليمهم القراءة الكتابة، على سبيل المثال، يجري إلقاء خُطبْ تقتصر على شرح «الثورة» على نحوٍ رديء، والتي مفادها عادةً أن «الناس مقسومين إلى بشر عاديين، ونصيرية (الطائفة العلوية) ومن معهم من روافض (شيعة) ونصارى ودروز وغيرهم، وأنّ الصراع بين هذين الطرفين هو لإرساء أصول وأسس الدين في مواجهة الكفار، على غرار الصراع بين الرسول الكريم والمشركين». ويروي أبو زياد كيف أن ابنه الذي لا يتجاوز عمره عشرة أعوام، والذي يعاني من أزمة نفسية نتيجة الاشتباكات والقصف، بات يخاف من ظهور «نصيري» من أيّة زاوية مظلمة، أو من وراء أي باب في الليل، من جرّاء استماعه إلى خُطَبْ شيوخ الهيئة المرعبة عن الطوائف الأخرى. كما يقوم شيوخ الهيئة بحضّ المراهقين على المشاركة في العمليات العسكرية، من خلال «إمنائهم بكسب الحسنات في الدنيا، أو الظفر بالجنّة في الآخرة، مستعينين على ذلك بكلّ أنواع الخرافات الدينيّة، وأساطير مقاتلي الثورة التي تتحدّث عن مقدرات خارقة، وكرامات خصّها الله بهم».
وباستثناء الغوطة الشرقيّة، لا يوجد أي تعليم في مناطق الريف الأخرى الخارجة عن سيطرة الدولة، والسبب أن «هذا الموضوع غدا ترفاً، أمام الاحتياجات الأخرى، كالطعام والماء والدفء»، ومع ذلك سعت مجموعات من الناشطين إلى الوصول إلى تلك المناطق، منذ نحو عام، لإجراء «إسعاف نفسي أولي» للأطفال هناك، وبالأخص في مخيّم اليرموك، «إلا أن داعش والنصرة كانتا بالمرصاد»، يقول ناشط معارض في مجال الإغاثة، فضّل عدم ذكر اسمه. ويضيف لـ«الأخبار»: «في أول عمليّة لها في مخيّم اليرموك، اعتقلت داعش ثلاثة ناشطين، قبل أشهر عدة، كانوا يُعنون بهذا الشأن، ولا يزالون مجهولي المصير. ومن بعدها لم يعد أحد يجرؤ على الدخول إلى أية منطقة محرّرة».




الجندي الأميركي مكان حافظ الأسد!

منذ بداية شهر نيسان من عام 2013، أعلنت «الهيئة السورية للتربية والتعليم»، التابعة للجناح الإخواني في «الائتلاف»، عن نفسها في جلسة جمعتها مع شخصيات إخوانية في مسجد الأزهر بالقاهرة، وذلك خلال فترة حكم الرئيس المصري المعزول، محمد مرسي. وباشرت هذه الهيئة (إضافة إلى «الهيئة الإسلامية في بلاد الشام» التي تتخذ من السعودية مقراً لنشاطاتها) عملها على تعديل المناهج الرسمية السورية، ليجري توزيعها على الطلاب السوريين النازحين في المخيمات التركية والأردنية. حيث نُزعت جميع صور الرئيسين، حافظ وبشار الأسد، أو طمسها باللون الأسود. واستبدلت جميع الصور التي تحمل العلم الرسمي لسوريا، بصور تتضمن العلم ذا النجوم الثلاث (وفي خطوة غريبة، جرى تبديل الصورة الشهيرة للرئيس الراحل حافظ الأسد، التي يرفع فيها العلم السوري في ذكرى حرب تشرين، بصورة لجنود مشاة البحرية الأميركية يرفعون فيها العلم الأميركي خلال الحرب العالمية الثانية، بعدما ألصق علم الانتداب مكان العلم الأميركي).
كذلك شملت التغييرات، في المناهج المخصصة للنازحين السوريين، إلغاء مادة التربية الوطنية نهائياً، وإلغاء تدريس مادة الفلسفة في بعض المخيمات، واعتبار مادة التربية الإسلامية مادة أساسية، فيما لا تدخل علامتها في المجموع النهائي للطالب في ثانويات التعليم الرسمي. وفي قائمة «الأهداف المرجوة» من التعليم، استُبدلت الفقرة التي تحض على تنمية حب الوطن، بتنمية حب الإسلام.