الخرطوم | لا يبدو مفهوماً التأخير الذي طرأ على إعلان الحكومة السودانية قياساً بأسماء الوزراء المختارين وخبراتهم وخلفياتهم، إذ تبدو حتى اللحظة تشكيلة عادية يسيطر فيها العسكر على حقيبتَي الدفاع والداخلية، فيما ظهرت أربع نساء في حقائب الخارجية والتعليم العالي والشباب والرياضة والرعاية الاجتماعية. ولعلّ أكثر من نال الإشادة والانتقاد في آنٍ واحد، أسماء عبد الله (راجع عدد أمس) التي تولت «الخارجية»، وهي من الوزارات السيادية، ويعوّل السودانيون عليها كثيراً. وعبد الله أول امرأة تتولى هذا المنصب الحساس منذ استقلال البلاد عام 1956، وسبق أن فصلها نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في إطار ما سُمّي «الفصل للصالح العام من الخدمة المدنية» عقب سنة من انقلاب نفذه البشير عام 1989.

أما المرأة الثانية، فهي البروفيسورة انتصار الزين صغيرون التي عُيّنت وزيرة للتعليم العالي، وهي حاصلة على دكتوراه في علم الآثار، كذلك فإن والدها عمل وزيراً للريّ في حكومة جعفر نميري (1969 ـــــ 1985). المرأة الثالثة، التي اختارها حمدوك، هي لينا الشيخ عمر، وعُيّنت وزيرة للتنمية الاجتماعية والعمل، وهي محاضِرة في كلية إدارة الأعمال في جامعة الأحفاد، وعملت بصفة «مسؤول أول» في برنامج «منظمة كير العالمية» (منظمة تعاونية للمساعدة والإغاثة في كل مكان، مقرها جنيف).
المرأة الرابعة، ولاء عصام البوشي (33 عاماً)، وقد أوكلت إليها حقيبة الشباب والرياضة، سيرتها لافتة، ليس لكونها أصغر وزيرة فحسب، بل لأنه لم يكن لها نشاط كثيف إبّان الثورة. لكن صورتها في 2016 ضمن برنامج «زمالة مانيلا للقادة الشباب في واشنطن»، وهي تهمس في أذن الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، قادت إلى التساؤل عن علاقة ذلك الحدث بالتعيين الجديد. آنذاك، قالت البوشي إنها تحدثت إلى أوباما في شأن العقوبات المفروضة على بلدها وضررها على السودانيين أكثر من النظام. والبوشي حاصلة على بكالوريوس في الهندسة من جامعة الخرطوم، وماجستير في الهندسة الميكانيكية من جامعة «إمبريال كولج لندن». وسبق أن عملت «مستشارة لبناء القدرات» في «برنامج القادة الشباب» في «مركز جسر للتنمية»، ومنظمة «فرديرش إيبرت». وهي أيضاً باحثة في مجال سياسات الطاقة في الجزائر، إضافة إلى شغلها منصب مساعدة تدريس في جامعة السودان، ومحاضرة في كلية النفط.

أنهى الاتحاد الأفريقي قراره السابق تعليق عضوية الخرطوم


ولاقى التمثيل النسوي في الحكومة الوليدة ترحيباً واسعاً في أوساط النساء. وكان رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، قد أشاد خلال المؤتمر الذي أعلن فيه حكومته أول من أمس، بدور المرأة في الثورة، مبدياً حرصه على «ضمان تمثيل أوسع للمرأة في هياكل الدولة»، من دون أن يستبعد أن يؤول منصب حاكم الخرطوم إلى امرأة. وإلى جانب الوزيرات النساء، عُيِّن 14 وزيراً من الرجال، اثنان منهم دفع بهم المكون العسكري في «المجلس السيادي» الذي فيه خمسة أعضاء من العسكر وخمسة مدنيين. وكان متفقاً، طبقاً لـ«الوثيقة الدستورية»، على أن يكون اختيار رجلي الدفاع والداخلية للعسكر. وكما تقول مصادر، لم يجتهد الجيش والأمن كثيراً في البحث عمّن ستؤول إليه حقيبة الدفاع، إذ جرى انتقاء الفريق أول جمال الدين عمر الذي كان يشغل رئيس «لجنة الأمن والدفاع» في المجلس العسكري (حُلّ في الثامن عشر من الشهر الماضي). وسبق لعمر أن عمل رئيساً لـ«هيئة الاستخبارات العسكرية» في 2017، وأميناً عاماً لوزارة الدفاع. كذلك، تربط عمر علاقة زمالة مع رئيس «السيادي»، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، إذ جمعتهما الكلية الحربية وتخرجا معاً ضمن الدفعة 31. لذلك، أبدى كثيرون استنكاراً لاختياره لهذا المنصب، خاصة أن «الرجل ضعيف القدرات ولا يستطيع الإشراف على هيكلة الجيش وإصلاحه»، بحسب ما يصفه مصدر عسكري، معتبراً أن وراء قرار البرهان رغبة منه في أن يكون من يشغل «الدفاع» طوع إرادته، وإن كانت الوزارتان قانوناً على اتصال مباشر مع حمدوك.
ويلفت المصدر نفسه إلى أن المؤسسة العسكرية تعاني من «وهن شديد، لأن النظام البائد عمل على تجريدها من قوميتها، وجعلها مؤسسة حزبية أشبه ما تكون بالذراع العسكرية لحزب المؤتمر الوطني»، ولذلك، ورد في «الوثيقة الدستورية» نص صريح على أن من مهمات المرحلة الانتقالية وضع برنامج لإصلاح مؤسسات الدولة «بصورة تعكس استقلاليتها وقوميتها»، على أن تسند مهمة إصلاح الجيش إلى المؤسسات العسكرية، وفق القانون. ومن التعقيدات التي ستواجه عمر وجود مليشيات مسلحة كـ«قوات الدعم السريع» التي كانت خاضعة لقانون القوات المسلحة، حتى أصدر البرهان قراراً قبل أسبوعين قضى بإلغاء المادة 5 من قانون «الدعم السريع» الخاصة بالخضوع لأحكام قانون القوات المسلحة، علماً أن إلغاء تلك المادة يعني أن «الدعم السريع» ستحتكم للقانون الخاص بها، وبالتالي عدم دمجها في القوات المسلحة والاحتفاظ بها كقوى موازية للجيش. وسبق أن ورد في «الدستورية» أن قانون القوات المسلحة و«الدعم السريع» ينظم علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة التنفيذية، وأن القوتين تتبعان للقائد العام للقوات المسلحة، وهما خاضعتان للسلطة السيادية. في ما يتصل بوزارة الداخلية، فقد أوكلت إلى الفريق شرطة الطريفي إدريس دفع الله الذي عمل مديراً لشرطة ولاية شمال دارفور، ونائباً للإدارة العامة للمباحث، ومديراً للإدارة العامة للتخطيط، وأخيراً نائباً للمدير العام لقوات الشرطة بعد ترقيته في أيار/ مايو الماضي بموجب قرار «العسكري» إعادة هيكلة الشرطة. وتخرج دفع الله من كلية الشرطة عام 1983، ثم تلقى عدداً من الدورات داخل السودان وخارجه، في دول مثل تركيا ومصر وبريطانيا.
إلى ذلك، قرر الاتحاد الأفريقي، في جلسة طارئة أمس برئاسة المغرب، رفع تعليق عضوية السودان في جميع أنشطته، عقب تشكيل الحكومة الجديدة فيه، بعدما سبق تجميد عضويته في حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما رحبت به سفارة الخرطوم لدى أديس أبابا.