بدأ الانسحاب الأميركي من سوريا. شكّك كثيرون سابقاً في إمكانية ذلك، انطلاقاً من قناعة ثابتة بمركزية الشرق الأوسط، ومن ضمنه سوريا، في الأجندة الأميركية، و/أو من رغبة معلنة، خاصة عند «حلفائها الخلّص»، بألا تقدم واشنطن على مثل هذه الخطوة نظراً لنتائجها الوخيمة على موقعهم الإقليمي ومصالحهم. دونالد ترامب لم يخفِ يوماً رأيه الواضح حول ما يعتقده «تورّطاً» أميركياً في الشرق الأوسط. كان معارضاً للحرب الثانية على العراق عام 2003 وكذلك للحرب على ليبيا عام 2011، وهو لا يفوّت مناسبة للتذكير بآثارهما الكارثية؛ العدو في نظره الذي ينبغي مواجهته قبل فوات الأوان هو الصين، ويجزم بأن الله اختاره لفعل ذلك. أما الدولة العميقة، بلسان البنتاغون وهو أبرز ممثل لتوجهاتها الاستراتيجية، فهي تضم روسيا إلى الصين، وتعرّف السياق الدولي الحالي بأنه سياق «عودة التنافس بين القوى الكبرى».

لا يمكن فهم قرار الانسحاب من سوريا، وما سيليه من تراجع للنفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، خارج هذا السياق، وزيارة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى السعودية تندرج في إطاره، الذي فرض على الولايات المتحدة إعادة جدولة أجندتها الدولية والتركيز على أولوية التصدي لتعاظم قوتي روسيا والصين. ما لا تقرّ به النخب الأميركية بوضوح هو المعنى الفعلي لإعادة الجدولة، أي تراجع قدرة بلادها على «السيطرة الشاملة» وعلى خوض صراعات كثيرة في الآن نفسه، في مناطق مختلفة من العالم، وما يترتب عليه من إمكانية لتسوية نزاعات مزمنة فيها، وبناء تفاهمات مستدامة، وحتى نظم إقليمية، بمعزل عن دور حاسم لها. التغييرات المتسارعة في موازين القوى الدولية، وأساسها تلك العسكرية، المرتبطة بالتطور النوعي الخطير في منظومات السلاح الروسي والصيني، خاصة الصاروخي والمسيّر، تؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من التاريخ العالمي، يصرّ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، على تسميتها «ما بعد الهيمنة الغربية». غرقت واشنطن في حروب الشرق الأوسط «التي لا نهاية لها»، وفق ترامب، لتستيقظ متأخرة على وقع تحوّلات كبرى تسعى الآن للتصدي لتداعياتها.
ما الذي برّر بقاء القوات الأميركية في سوريا بعد إعلان هزيمة «داعش»؟ طُرحت في تلك المدة حجج كثيرة لتسويغ هذا البقاء، كالتصدي لنفوذ إيران أو التأثير في الحل السياسي للأزمة السورية، أو على الأقل المساهمة في إطالة أمد الأزمة، عبر تشجيع النزعة الانفصالية لدى الحركة الكردية، وحرمان الدولة السورية الموارد النفطية والمائية والزراعية الموجودة في المناطق الخاضعة لسيطرتها. أنصار البقاء في سوريا داخل إدارة ترامب وخارجها استخدموا حججاً ومبررات مختلفة وقدموا تصورات عامة على أنها «استراتيجية» لتوظيف هذا البقاء كورقة لتحقيق أهداف سياسية، لكن الغاية الفعلية كانت آنية، وهي استنزاف الأعداء، أي الدولة السورية وحلفائها، قدر المستطاع. لم يكن لدى هؤلاء أي استراتيجية بالمعنى الفعلي للكلمة. هل يستطيع بضعة آلاف من الجنود الأميركيين التصدي لمَهمات ثقيلة كهذه، حتى مع الاستعانة بـ«قسد» والاستفادة من الغارات الإسرائيلية، كما نصح مثلاً المبعوث الأميركي الخاص السابق للحرب على «داعش»، بريت ماك غورك؟
كذّبت التطورات المتلاحقة، وانتصارات الدولة السورية وحلفائها، جميع هذه الأطروحات، وأظهرت قدرة أميركية محدودة جداً على التأثير في مجرى الأحداث. ولا شكّ أن خروج أبرز أنصار البقاء في سوريا من الإدارة أو مواقعهم في المؤسسات الأميركية واحداً تلو الآخر، ولأسباب مختلفة، قد سهّل مَهمة الرئيس الأميركي عندما قرّر سحب قواته من هذا البلد. طبعاً، خان الأخير حلفاءه الأكراد عندما اتخذ هذا القرار، وخان أيضاً تركيا عندما أعطاها عملياً ضوءاً أخضر بالتدخل في الشمال السوري، ليعلن في ما بعد عزمه «تدمير اقتصادها» إذا تجاوزت سقفاً معيناً في عملياتها العسكرية، وليسمح للكونغرس بفرض عقوبات «قاسية» عليها. أداء الولايات المتحدة حيال الأزمة السورية كان مناسبة إضافية لتظهير عجزها المتزايد عن التعامل مع الأزمات المحتدمة وحسمها لمصلحتها، بينما تميّز الأداء الروسي خلالها بالدفاع الحازم عن الحلفاء من جهة، ومن ثم بالسعي الجاد لإيجاد حل سياسي لها بمشاركة أهم أفرقائها. حتى خصم لدود لروسيا، كالسفير الفرنسي السابق في الولايات المتحدة جيرار آرو، الملقّب بزعيم عصابة المحافظين الجدد في الخارجية الفرنسية، قال إنه «في خضم حرب أهلية، تستطيع القوى الخارجية أن تبقى محايدة أو أن تختار الانحياز إلى أحد أطرافها. في الحالة الثانية عليها فعل ذلك بحسم. روسيا وإيران فعلتا ذلك مع الأسد. الغرب لم يفعل، وحصد أسوأ النتائج المترتبة على كل من السيناريوهين».
يبرز التناقض بين الدورين الروسي والأميركي جلياً في حالة الهجوم التركي على الشمال السوري، إذ أعطت بداية الانسحاب الأميركي إيذاناً بالشروع فيه، بينما دخلت موسكو على خط الأزمة المستجدّة لخفض التصعيد وإيجاد ترتيبات بين أفرقائها تزيد إمكانية نجاحها في ذلك. إذا تكلّلت هذه الجهود بالتوفيق، ستُفضي إلى تعزيز مسار أستانة الذي قام على قاعدة مشاركة دول الإقليم الأساسية في تسوية الأزمة السورية في ظل معارضة أميركية وغربية شبه علنية له. ورغم التصريحات التصعيدية الصادرة عن القادة الأتراك راهناً، لا مصلحة لهؤلاء في الدخول في صدام مباشر مع الجيش السوري وحلفائه، وأفضل الخيارات التي يمكن اعتمادها لحماية الأمن القومي ومصالح تركيا، والمرشح أن يحظى بقبول الدولة السورية والحلفاء، هي العودة إلى «اتفاق أضنة». روسيا في موقع يسمح لها بأن تكون مسهّلاً، إن لم تكن عرّاباً لتسوية الأزمة السورية، ما يفتح الباب أمام إعادة بناء النظام الإقليمي في المنطقة بين البلدان العربية وإيران وتركيا على أساس التعاون وتبادل المنافع واحترام المصالح الحيوية لجميع هذه الدول. السياسة الأميركية عملت على تدمير النظام الإقليمي العربي، وعلى تجييش قسم من العرب ضد إيران، وإلى حد ما ضد تركيا، ثم تراجع نفوذها الذي نشهده عاملاً مساعداً لعملية البناء المشار إليها.
القلق الإسرائيلي الشديد من قرار الانسحاب الأميركي من سوريا، حتى لو تضمّن قدراً من المبالغة للحصول على المزيد من المساعدات والضمانات من واشنطن، مؤشر آخر إلى ما يعنيه هذا الأمر لمستقبل النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط. آموس هاريل، وهو كبير المعلّقين في قضايا الدفاع والأمن في صحيفة «هآرتس» والمقرّب من الجيش، كان قد أكد منذ شباط/فبراير الماضي أن القيادة العسكرية الإسرائيلية أصبحت ترى أنها وحيدة على المستوى اليومي في مواجهة التحديات، وأن اهتمام واشنطن بالمنطقة في تراجع مستمر. الوكيل الإقليمي للقوة الأميركية هو بين أول من يشعرون بتغيّر الأولويات لديها ويحاول مراجعة حساباته وخططه انطلاقاً من ذلك. الأمر نفسه ينطبق على «المحميات» الأميركية، حتى الآن، في الخليج. التطور المطّرد في علاقات دوله مع روسيا والحفاوة البالغة التي استقبل بها رئيسها في السعودية لا يمكن فصلهما عن خيبة أملها من الولايات المتحدة ومن حمايتها لها، خاصة بعد الضربة التي تعرّضت لها منشأتا «أرامكو». ناصبت هذه الدول إيران العداء منذ انتصار ثورتها قبل أربعة عقود انسجاماً مع السياسة الأميركية، وهي اليوم تجد نفسها في موقع الضعيف في مقابلها أي إيران وحلفائها، وتبحث عن شراكات أخرى لضمان أمنها والتفاوض للتوصل إلى تسوية معها. روسيا، الصديقة المستجدة لدول الخليج والقديمة لإيران، قادرة على هذا الدور الذي يزيل عقبة من طريق تشييد نظام إقليمي جديد. الولايات المتحدة تنسحب من سوريا وجزئياً من الشرق الأوسط للتركيز على محاولاتها لوقف صعود الصين وروسيا، فتدخل الثانية إلى المنطقة من الباب العريض، مرحّباً بها من جميع الأطراف المتصارعة لتنمية مصالحها معها، والمشاركة في صياغة حلول سياسية تزيد وزنها الدولي وحضورها ونفوذها.