الخرطوم، جوبا | رسمياً دخلت مفاوضات السلام المنتظرة، بين الحكومة السودانية الانتقالية، وحركات المعارضة المسلحة، نطاق البحث الرسمي والتفصيلي. بدأت صباح أمس جولة المباحثات بعدما وصلت الأطراف المعنية، وضيوف إقليميون وآخرون، إلى العاصمة الجنوب سودانية جوبا، فيما كان أبرز الضيوف رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، والرئيس الأوغندي، يوري موسفيني، إلى جانب رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، ورؤساء كينيا والصومال وجيبوتي. لكن الأهم كان تلبية رئيس «مجلس السيادة» في السودان، عبد الفتاح البرهان، الدعوة لحضور جلسة الافتتاح.

وبما أن شياطين التفاصيل لم تظهر بعد، أبدت الأطراف الحاضرة تفاؤلها في التوصل إلى اتفاق سلام، خاصة بعد الأجواء الإيجابية التي خلقتها الثورة السودانية والإطاحة بالرئيس عمر البشير، وصعود قوى جديدة متقاربة في مواقفها مع الحركات المسلحة، برغم التباين في مسارات التفاوض التي يتوقع أن تنقسم ما بين التريبات الأمنية وتقاسم السلطة. وكانت الخرطوم وهذه الحركات قد وقّعت اتفاقاً لإعلان المبادئ في أيلول/سبتمبر الماضي، نصّ على استئناف المباحثات منتصف هذا الشهر لثلاثين يوماً، يتخللها الوقف الشامل لإطلاق النار. كما أن هذا الاتفاق يحث على فتح المعابر بين الأقاليم ووصول المساعدات الإنسانية إلى الولايات.
لكن مصدراً سياسياً قال إن الاتفاق النهائي بين الحكومة والحركات المسلحة تضمن إرجاء تشكيل المجلس التشريعي (البرلمان) إلى حين الاتفاق على السلام وإشراكهم في جميع مؤسسات المرحلة الانتقالية، وأيضاً تضمين الاتفاق في «وثيقة الإعلان الدستوري»، مع أن رئيس «الحركة الشعبية لتحرير السودان ــــ شمال»، عبد العزيز الحلو، كان قد تحفّظ على نقاط وردت في «إعلان المبادئ»، لكنه وافق على الأساسية. مع ذلك، أعرب ياسر سعيد عرمان، وهو الأمين العام للحركة عن تفاؤله في التوصل إلى اتفاق خلال الجولة الحالية التي قد تمتد إلى شهرين من الحوار، قائلاً لـ«الأخبار»: «هناك مناخ جديد وإرادة جديدة، ونحن شركاء في الثورة السودانية. جوبا ستساهم في هذا السلام لأنها ليست كأي عاصمة. هناك بعض التحديات مثل إنهاء التهميش وبناء دولة المواطنة، لكننا قادرون على تجاوزها بالحوار والصبر».

تغيّبت بعض الحركات المسلّحة فيما حضرت أخرى بصورة رمزية


وتزامناً مع بداية المفاوضات، اندلعت مظاهرات أمس في معسكرات النازحين في ولاية وسط دارفور تحت شعار «نقاوم لا نساوم»، بثّتها الصفحة الإعلامية لحركة «تحرير السودان» المحسوبة على عبد الواحد نور، تنديداً بمفاوضات جوبا. وأعلن المتظاهرون مقاطعتهم للمفاوضات وأنها لا تمثلهم ولا تمسّ قضاياهم أو تحقق أهداف الثورة وتطلعاتهم. مع ذلك، قال البرهان أثناء الجلسة الافتتاحية إن مبادرة الرئيس سلفاكير مَيارديت «امتداد للثورة السودانية ولثورة الحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تناضل من أجل بناء سودان جديد»، مضيفاً: «جوبا هي المنبر الأكثر أهلية لتحقيق السلام»، ومطالباً الحركات المسلحة بالتحاور لأنها «شريك في الثورة وفي حل أزمات» البلاد. أما سلفاكير، فقال إن على الحكومة والمعارضة «تقديم المزيد من التنازلات»، مضيفاً: «نريد منكم أن تعتمدوا الحوار نهجاً لحل المشكلات. تعلموا من تجربتنا في جنوب السودان... نريد تحقيق السلام في السودان حتى ينعكس على مواطني جنوب السودان».
في المقابل، ورغم أجواء التفاؤل، تتحدث أطراف عن غموض يكتنف هذه المفاوضات، خاصة مع تغيّب عدد من الحركات، إلى جانب «مشاركة رمزية» لأخرى مثل حركة «العدل والمساواة» التي أبدى رئيسها جبريل إبراهيم ملاحظات عدة على الحوار. أما نور، الذي تظاهر أنصاره في دارفور أمس، فقال في تصريح صحافي إن «مفاوضات جوبا لن تحقق نجاحاً وستتحول إلى محاصصات. أما رئيس «تحرير السودان»، اركو مناوي، فاكتفى بمنشور في «فايسبوك» يؤكد فيه وصول وفد من حركته إلى جوبا، فيما استنكر «مؤتمر البجا التصحيحي»، على لسان رئيسته زينب كباشي، تجاهلهم من الدعوة. أكثر من ذلك، يبدو أن الحركات المسلحة غير متفقة أصلاً على أن يكون مقر التفاوض جوبا، على عكس ما يُشاع. وقالت مصادر إن من النقاط التي حظيت بنقاشات مكان التفاوض، إذ يرغب إبراهيم مثلاً في الدوحة، بينما يرى مناوي أن أبو ظبي هي الأنسب. أما الحلو، فأبدى تمسكه بجوبا. تعقيباً على ذلك، يقول القيادي في «العدل والمساواة» محمد حسين كرامة، لــ«الأخبار»، إن الموقف من جوبا إيجابي، لكن «عملية السلام والتفاوض قضية جوهرية ولها متطلبات وتبعات، وجوبا غير مقتدرة مالياً لتحمل تكلفتها». وأضاف كرامة: «هذا لا يمنع المشاركة المبدئية في الافتتاح تمهيداً لمشاورات موسّعة لحسم القضايا العالقة، ومنها المكان والوساطة والمسهّلون وقضية التفويض الدولي».
في المجمل، يرى كثيرون أن هذه المفاوضات تحمل فرص نجاح كبيرة، لكن ما يخيف، وفق الكاتب والمحلل السوداني عبد الله رزق، هو غياب التوافق بين الحركات المسلحة نفسها، وهو ما «انعكس على طبيعة الوفود». ويضيف رزق: «أي اتفاق سيكون ناقصاً إذا تجاوز رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد نور المقيم في فرنسا»، علماً أن الأخيرة وعدت على لسان وزير خارجيتها أثناء زيارته الخرطوم بإقناعه بالانضمام. ومن جهة الحكومة، ينتقد الكاتب استعداداتها خاصة أنها أقدمت على تكوين «مفوضية السلام» وإعلان اسم مفوضها قبل 24 ساعة فقط من بدء التفاوض. أما الكاتب والمحلل الجنوب سوداني، بيتر مارتن، فقال لـ«الأخبار»، إن هناك مخاوف من أن تؤثر الأزمة الراهنة بين سلفاكير والمعارضة المسلحة (الجنوب سودانية) الموالية لريك مشار في مسار المفاوضات السودانية ــــ السوادنية، خاصة أن أعضاء لجنة التفاوض الحكومية في ملف السودان هم الأشخاص أنفسهم المسؤولون عن ترتيبات الفترة ما قبل الانتقالية في ملف جنوب السودان.