بغضّ النظر عمّا إذا كانت المواقف المنسوبة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، تهدف فعلاً إلى إنجاح مبادرة وزير الخارجية الأميركية جون كيري، أو كانت جزءاً من المعركة على «اليوم التالي» لفشل المفاوضات، وهو المرجح، بهدف إلقاء المسؤولية على السلطة الفلسطينية، فإن الواضح أن العديد من المقاربات تنطلق في الحكم على ما تسميه «تنازلات » يقدمها نتنياهو، بالقياس إلى خلفياته الإيديولوجية ومواقفه السابقة، وإلى مواقف بقية شرائح اليمين المتطرف التي تحمل لواء «أرض إسرائيل الكاملة»، وليس بالقياس إلى المسافة التي تفصلها عن الحد الأدنى من مطالب السلطة الفلسطينية، التسووية، والتي تفصلها أيضاً مسافة شاسعة عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.


فقد أكدت صحيفة «معاريف» أن المبعوث الخاص لنتنياهو، إسحاق مولخو، مقتنع بأن رئيس الحكومة الإسرائيلي جدي هذه المرة لتكرار سابقة اتفاق «الخليل» واتفاق «واي»، اللذين وقّعهما خلال ولايته الأولى في عام 1996، أو على الأقل سيحرص على ألّا تكون إسرائيل هي التي ستُفشل الاتصالات لتحقيق ورقة الإطار الأميركية.
وتضيف «معاريف» أن «نتنياهو وافق حتى الآن على أمرين غير بسيطين، بالنسبة إلى من يتبجح بأنه يقود المعسكر القومي، في الورقة الأميركية. الأول أنه وافق على إدارة مفاوضات على أساس حدود عام 67، مع تبادل أراضٍ، وأخذ التغييرات الديموغرافية بالحسبان. والثاني، موافقته على تجميد البناء خارج الكتل الاستيطانية»، الأمر الذي يعني عملياً أن نتنياهو يرسم للمرة الأولى، بحسب «معاريف»، ما يشبه «خريطة الحدود، وهو مطلب فلسطيني قديم يحظى بدعم أميركي».
ولفتت «معاريف» إلى أن «الكتل الاستيطانية، كما هو معروف، ستبقى بحسب الوثيقة الأميركية، تحت السلطة الإسرائيلية، وبالتالي تستطيع مواصلة البناء فيها دون التعرض لانتقادات على إعلان المناقصات. أما في ما يتعلق بحق العودة، غير المقبول من قبل نتنياهو، فسيُحدَّد مبدأ التعويض المالي للاجئين الفلسطينيين وأيضاً اليهود، ولكن ليس بقيمة متساوية».
وأضافت «معاريف» أنه بدلاًَ من الاعتراف بشرق القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية، ستُذكر حدود القدس، بشكل موسع، على أن تشمل القرى الفلسطينية القريبة منها. أما لجهة الترتيبات الأمنية، فستُقلَّص منطقة الغور لتشمل النهر نفسه، لكن من دون وجود قوات دولية على نهر الأردن».
بالإضافة إلى ذلك، سيكون هناك اعتراف متبادل في إسرائيل كدول قومية للشعب اليهودي، وفلسطين، كدولة قومية للشعب الفلسطيني.
وفي ضوء ذلك، تؤكد «معاريف» أن «الأميركيين يطمحون إلى صياغة وثيقة مفصلة قدر الإمكان، على أن تكون أكثر تفصيلاً من خريطة الطريق التي قدمتها إدارة الرئيس جورج بوش. وبالتالي، على الرغم من توقع أن يتحفظ الطرفان على أجزاء من هذه الوثيقة، إلا أنها يمكن أن تشكل إطاراً لاستمرار المحادثات».
وخلصت «معاريف»، إلى أنه «في الوقت الذي تمسك نتنياهو بمبادئ كثيرة، لكنه في المقابل عبَّر عن استعداده لتقديم تنازلات بعيدة المدى في سلسلة قضايا سياسية وأمنية، لم يجرِ التوصل إلى حلول وسط بخصوصها طوال سنوات». وبفعل تنازل نتنياهو عن السيطرة على الغور، والاكتفاء بنهر الأردن، والموافقة على أن ترتكز المفاوضات على حدود الـ 67، مع تبادل مناطق، وفي ضوء تنازله الفعلي عن السيادة الإسرائيلية على المستوطنات التي تقع خارج الكتل الاستيطانية، لن يتمكن كل من يتهم نتنياهو، كالكثير من الأوروبيين، بأنه لم يقدم أي تنازل وأن الاتفاق كله يميل إلى مصلحة إسرائيل، من تجاوز الطريق الطويلة التي قطعها رئيس الحكومة.
إلى ذلك، ذكرت «معاريف»، أنّ «من المتوقع أن يطلب نتنياهو من الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال لقائهما المقبل، تهديد الرئيس الفلسطيني محمود عباس للقبول بورقة الإطار الأميركية، وأنه إذا واصل أبو مازن اظهار التمرد، فإن على أوباما تحذيره بأنه سيخرج للقول في العلن بأنه ليس رجل سلام». وتضيف «معاريف» أن «الرد الفوري ينبغي أن يكون وقف المساعدات المالية الأوروبية للسلطة، وهو الذي يخشاه أبو مازن جداً». وترى «معاريف» أن هذا الأمر هو ما سيدفع الرئيس الفلسطيني إلى الموافقة على ورقة الإطار الأميركية. لكن «معاريف» عادت وشددت على أن ما تقدم يثبت أن «ما يرغب فيه نتنياهو في الواقع، هو أن لا تُلقى عليه مسؤولية فشل المفاوضات».
من جهة أخرى، تحدثت «معاريف»، استناداً إلى مصادر في مكتب رئيس الحكومة، أيضاً عن سيناريو محتمل الحدوث، حتى لو لم يُتَّفَق على الورقة الأميركية، وهو أن يطلب نتنياهو من أجل مواجهة الانتقادات التي ستوجه إليه، بأنه من أفشل الجهد الأميركي، الكشف عن جزء من «التنازلات» التي قدمها. وفي ظل هذا السيناريو، لن يكون مضموناً أن يواصل قيادة الليكود.
من جهة ثانية، نقلت «معاريف» عن تقدير سري أعدته دائرة البحوث السياسية في وزارة الخارجية الإسرائيلية، أن الفلسطينيين يستعدون منذ الآن لـ«اليوم التالي» لفشل المفاوضات، على قاعدة «لعبة الاتهامات» المتوقعة بين الطرفين. ويضيف التقدير أن الفلسطينيين يرون أن كيري «لا يجدد شيئاً»، بل يتجاهل الرسائل الكثيرة «التي نقلت إلى الرئيس أوباما»، ويحاول «تربيع الدائرة». ويضيف الفلسطينيون، بحسب التقدير، أن كيري يفضل عرض «حلول غامضة» في قضيتي الحدود والقدس، أما في المسألة الأمنية «فيميل إلى مصلحة إسرائيل». في المقابل، يؤكد التقدير أن الفلسطينيين يشددون على «الخطوط الحمراء»، وعلى رأسها شرق القدس عاصمة الدولة الفلسطينية وعدم الاعتراف بإسرائيل دولةً يهودية.