جنيف | بين حلم «الائتلاف» السوري المعارض وواقع ما تخطط له الدول الداعمة، وخصوصاً الولايات المتحدة، حول المنطقة العازلة في الجنوب السوري، فرق شاسع، يُختصر بوجهتي نظر كل من الطرفين. فـ«الائتلاف»، ومن خلفه دول خليجية، يريد من هذه المنطقة أن تتحول منصة لهجوم عسكري نحو دمشق يغيّر لاحقاً قواعد اللعبة العسكرية، أما الأميركيون فيريدون منها «التهويل» والضغط على النظام وحمله على العودة بتنازلات إلى جنيف من زاوية أنّ الحل العسكري أمر مستحيل لكلا الطرفين.


بعد اللقاءات الأخيرة التي عقدت في الأردن، عاد رموز «الائتلاف» إلى قواعدهم في أوروبا وإسطنبول بانطباع أنّ تحريك الجبهة الجنوبية سيكون مقدمة لصفحة جديدة في المواجهة العسكرية مع دمشق تصل إلى قلب موازين القوى أو، على الأقل، «تعديل ميزان القوى الراجح لمصلحة النظام في هذه المرحلة». وقد حصلت «الأخبار» على معلومات مصدرها أوساط «ائتلافية» لها علاقة مباشرة باللقاءات التي جرت أخيراً في الأردن بين قيادات «الائتلاف» وعسكريين سوريين معارضين وأردنيين وأميركيين، ناقشوا خطة إقامة الحزام الأمني. وتقول وجهة نظر «الائتلاف» إنّ هذا الحزام «لكي يكون فعالاً» يجب أن يشمل «المثلث الحدودي الجنوبي (حدود الجولان المحتل ولبنان والأردن)». وتوضح المعلومات أنّ الهدف الأساس لإقامة هذا الحزام هو إيجاد «منطقة خارجة تماماً عن سيطرة القوات النظامية»، وهذا يتطلب:
أولاً: «تنظيف المناطق الواقعة حالياً تحت سيطرة القوى المعارضة من الجيوب التي تسيطر عليها القوات النظامية»، قبل البدء بعملية توسيع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وصولاً الى الحزام الأمني المنشود. وتدخل في هذا الإطار المعارك التي تتواصل منذ أيام عدة في عدد من القرى الواقعة بين محافظتي القنيطرة ودرعا، ولا سيما في قرى «الناصرية، الهجة، المنشية، قرقس وعين التينة»، حيث تحاول المجموعات المسلحة إحكام السيطرة على هذه القرى.
ثانياً: بعد «تنظيف مناطق المعارضة، يبدأ العمل على إبعاد القوات النظامية الى عمق 40 كيلومتراً على الأقل من الحدود مع الاردن وفلسطين المحتلة. وهي المساحة التي تسمح بشل قدرة وفعالية المدفعية السورية، وهذا ما يوصل عملياً الحزام الأمني إلى تخوم محافظتي دمشق وريفها الجنوبي. وتقول المعلومات إن المجموعات المسلحة ستستفيد من وجود منطقة عازلة فرضتها القرارت الدولية وآخرها القرار 338 (عام 1974) بعمق عشرة كيلومترات انطلاقاً من الحدود مع الأراضي المحتلة. وهي قرارات تحدد كمية ونوعية وجود السلاح السوري فيها. ولا تخفي المعلومات المسربة من اجتماعات الأردن نية المعارضة المسلحة الاستفادة من وجود المنطقة العازلة مع الجولان المحتل «شبه الخالية من القوات السورية النظامية» لتحكم السيطرة على بعضها والتخطيط للسيطرة على ما تبقى.
وبحسب المعلومات التي يحاول «الائتلافيون» إظهارها، فإن الاستعدادات اللوجستية للمجموعات العسكرية باتت جاهزة بنسبة عالية، والتدريبات الخاصة التي قامت بها المخابرات الاردنية بمساعدة مباشرة من قوات أميركية خاصة باتت في مراحلها النهائية، وأن معظم المقاتلين المدربين جاهزون للدخول في المعركة «في انتظار اتخاذ القرار ببدء تنفيذ الخطة».
لكن اتخاذ القرار يصطدم بواقع معقد تحاول قوى «الائتلاف» التخفيف من وطأته بالرهان على تغييرات جذرية في السياسة الاميركية في الملف السوري. وتقول الأوساط الائتلافية، التي شاركت في لقاءات الأردن، إنّ المجموعات المسلحة حالياً «غير قادرة على مواجهة القوات النظامية وقوات حزب الله ما لم يتم تزويدها بأسلحة متطورة مضادة للدروع والطائرات». وتضيف هذه الأوساط أنّه رغم «الحصول على عدد محدود من الصواريخ المضادة للدروع، تبقى المشكلة الأساسية في سلاح الجو السوري القادر على الوصول حتى الحدود مع الأردن وحدود المنطقة العازلة في الجولان من دون أي قوة ردع». وتربط نجاح هذه الخطة بشلّ قدرة سلاح الجو السوري على توفير غطاء جوي للمنطقة المراد عزلها من خلال فرض حظر طيران على هذه المنطقة أو تزويد المسلحين بصواريخ مضادة للطائرات.
ويراهن «الائتلاف» على تغيير في الموقف الاميركي «الذي يرفض حتى الآن تزويد المعارضة السورية بأسلحة استراتيجية مضادة للطائرات». وترى الأوساط القيادية في «الائتلاف» أنّ الموقف الاميركي «سيتغير لا محالة في نهاية المطاف». ويذهب «الائتلافيون» في مراهنتهم إلى حدود انتظار تدخل عسكري روسي في أوكرانيا، «حينها لن يعود للغرب عموماً والأميركيين على وجه الخصوص أي حجة لعدم التدخل» العسكري المباشر في الشأن السوري، ولسان حال «الائتلاف» أنّ «أي تحرك عسكري روسي في تلك المنطقة سينعكس إيجاباً على وضعنا في سوريا».
وتبقى عقدة العقد في تحقيق حلم إقامة المنطقة العازلة لدى الجانبين الأميركي والأردني وحذرهما من وجود كثيف للجماعات الاسلامية المتطرفة في المنطقة، كـ«جبهة النصرة» التي تتمتع بحضور قوي. وينبع الخوف الأردني من تداعيات هذا الوجود على المملكة، وعليه ترى عمان في المنطقة العازلة مخرجاً لأزمة النازحين السوريين الموجودين على أراضيها، أكثر منها «دويلة عسكرية». أما الموقف الأميركي فمرتبط بخوف إسرائيل من وجود هذه المجموعات الخارجة عن السيطرة على حدودها، خصوصاً أن «الجبهة الجنوبية» التي تشكلت أخيراً من 49 فصيلاً عسكرياً، والتي يعتمد عليها في معركة إقامة الحزام الأمني، تضم عدداً كبيراً من المجموعات الاسلامية المتطرفة.