عبد الفتاح السيسي، الذي ظهر قبل أربع سنوات مدّعياً أنه لا يوجد خلاف بين مصر وإثيوبيا في شأن سدّ النهضة، هو نفسه الذي أطلّ الشهر الماضي مُحمّلاً «ثورة 25 يناير» «خطيئة» إنشاء السدّ الذي شرعت فيه إثيوبيا بعد أشهر من الثورة التي أطاحت حسني مبارك، رامياً عن كاهله مسؤوليته رئيساً للبلاد منذ 2014 حتى الآن! يلقي السيسي العبء على سَنَة حكم «الإخوان المسلمون»، رافضاً الاعتراف بإخفاق نظامه في التفاوض والضغط على إثيوبيا والسودان، حتى مع تغير النظامين فيهما على نحو متعاقب. فـ«الجنرال» لا يرى نفسه مسؤولاً عن الطريق المسدود الذي وصلت إليه المفاوضات، على رغم التنازلات الكثيرة التي قدمها خلال السنوات الماضية للوصول إلى صيغ توافقية.

وعلى عكس أحاديثه السابقة عن أنه لا خوف على المصريين، يبدي السيسي قلقاً واضحاً من التعامل مع الخطوات المقبلة، علماً بأن مساعِدته، الوزيرة السابقة فايزة أبو النجا، باشرت العمل على هذا الملف منذ ثلاثة أعوام وأكثر. لكن مصادر مطلعة تكشف أن تقارير أبو النجا لم تكن تصل كاملة إلى الرئيس، فضلاً عن أن الأخير ليس مطّلعاً على بعض التفاصيل الفنية التي تولّاها وزير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، صاحب فكرة إدخال مديري المخابرات في البلدان الثلاثة إلى المفاوضات التي عرفت لاحقاً بـ«التُساعيّة»، بعد انضمام أولئك المديرين إلى وزراء الريّ والخارجية.
اليوم، ثمة تعليمات لوسائل الإعلام بتحميل نظامَي مبارك و«الإخوان» مسؤولية ما حدث، تمهيداً ــ على ما يبدو ــ لإعلان تنازلات مصرية جديدة تُراجِعها جهات سيادية، في حين تعلّق القاهرة ما تبقى من آمالها ــ وسط عجزها ــ على تدخل الولايات المتحدة بممارسة ضغوط على إثيوبيا والسودان، وهو ما حاول «الجنرال» ترويجه أخيراً في نيويورك. أما وزارة الخارجية، التي أُقصيت من المشهد على نحو متعمّد منذ سنوات، فهي تُعدّ ملفاً قانونياً يتضمن الخطوات التصعيدية التي يمكن أن تتخذها «المحروسة»، سيتمّ إرساله إلى سفراء عدد من الدول الأفريقية والأوروبية لديها، في ظلّ توقعات باستطالة أمد التفاوض، من دون التوصل إلى نتيجة حتى نهاية العام الجاري على الأقل.