الخرطوم | يتجدد الصراع في الساحة السودانية هذه الأيام حول قضايا كثيرة، كان آخرها بعد تكفير وزيرة الشباب والرياضة، ولاء عصام البوشي، بسبب تنظيمها أول دوري كرة قدم للنساء، إحياء ذكرى «ثورة أكتوبر» 1964 التي أسقطت حكم العسكر برئاسة الرئيس الأسبق إبراهيم عبود، والتي مثلت روحاً للثورة السودانية الحالية. هذا الخلاف الجديد تتصدّره قوى «إعلان الحرية والتغيير» كممثلة عن السلطة، في مقابل تنظيمات محسوبة على الإسلاميين.

واندلعت في جامعة الأزهري في مدينة الخرطوم ــ بحري اشتباكات بين طلاب الحركة الإسلامية وخصومهم، لتنتهي بعدد من الجرحى، حالات بعضهم حرجة، وهو ما ينذر بمواجهات شبيهة إذا تقابلت مسيرات إحياء «أكتوبر». فالحزب الشيوعي و«تجمع المهنيين» ولجان الأحياء (ممثلين عن «الحرية والتغيير») أعلنوا عزمهم على تسيير ثلاث مسيرات سلمية في ثلاث مدن رئيسة هي الخرطوم وأم درمان وبحري، للمطالبة بـ«تنظيف مفاصل الدولة، وحلّ حزب المؤتمر الوطني، وتطبيق العدالة واستكمال الثورة». وعلى الضفة المقابلة، أعلنت أحزاب وجماعات إسلامية في بيان مشترك تبنّيها مسيرة 21 أكتوبر، وإصرارها على الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش. وهذه الأحزاب هي «جماعة أنصار السنة المحمدية» و«المؤتمر الشعبي» و«مجاهدو قوات الدفاع الشعبي» و«المنهج السلفي في السودان» و«تيار أنصار الشريعة» و«المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية السودانية».
وفيما عاد «المؤتمر الشعبي» وتبرّأ من تلك الدعوة، كشفت مصادر أن قيادات من «الشعبي» و«الوطني» تنوي المشاركة في موكب الإسلاميين. وأشار القيادي في «المؤتمر الشعبي»، عمار السجاد، إلى أنه دعا بصورة فردية إلى المشاركة في المسيرة أمام قيادة الجيش بعد تبرّؤ حزبه من الدعوة، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار» أن دعوته تخصّ الناشطين والثوار وليست لها صلة بمليونية «الحرية والتغيير». وتابع السجاد: «نريد تصحيح مسار ثورة 19 ديسمبر التي أسقطت حكم عمر البشير... الثورة اختطفها الحرية والتغيير وتجمع المهنيين وتمت محاصصتها مع المجلس العسكري، ولذلك لا بد من تجديد الدعوة في ذكرى 21 أكتوبر لنقول للثوار إن الثورة لم تسقط بعد، وإن العساكر لا يزالون مسيطرين». وزاد السجاد: «نريد أن نلفت انتباه أهل السلطة إلى التزام معايير الكفاءة في الاختيار للمناصب».و تبدو بعض الأهداف التي رفعها الإسلاميون متشابهة مع أهداف المسيرة المقابلة، ومنها القصاص للشهداء ومعالجة الجرحى والبحث عن المفقودين.

هناك خلافٌ حتى بين مكوّنات «الحرية والتغيير» على التظاهر


من جهته، رأى المتحدث باسم «الحرية والتغيير»، وجدي صالح، أن التظاهر أمام القيادة العامة «مناهض لأهداف الثورة»، لأن «الحكومة (الحالية) مدنية ولا يوجد مبرر للذهاب إلى الجيش». جاء ذلك في وقت أفادت فيه مصادر بأن هناك اختلافاً بين مكونات «الحرية والتغيير» نفسها حول هذه المليونية؛ ففي وقت أكدت فيه غالبية المكونات، ومنها «تجمع المهنيين»، دعوة أنصارها إلى الخروج اليوم، أبدى نائب رئيس حزب «الأمة القومي»، الفريق صديق إسماعيل، تحفظه على المسيرة. وفي هذا الإطار، رأى إسماعيل، في حدث إلى «الأخبار»، أن «الثورة الحالية أسست لحكم انتقالي تحيط به ظروف داخلية وخارجية تهدد استمرارية هذه المرحلة ونجاحها، ومن ضمنها التجمعات التي تتحدث عن شعارات إصلاح ومراجعات لكنها تنخر في أسس المرحلة الانتقالية... رأينا هو التفكير في عمل أكثر إيجابية يدعم مؤسسات الفترة الانتقالية، وسدّ الطريق أمام تجمعات تتسبب في الفوضى».
ومما يشير إلى أن «الحرية والتغيير» لم تكن متفقة في البداية على الدعوة إلى المسيرة، هو أن المبادرة خرجت من «الحزب الشيوعي»، الذي قرر الاحتفال بهذه المناسبة استكمالاً لشعارات الثورة، وللضغط من أجل تكوين «لجنة دولية مستقلة في قضية فضّ اعتصام القيادة»، ثم جاء قرار بقية القوى. لكن القيادي في «الشيوعي»، عضو «الحرية والتغيير»، صديق يوسف، أوضح أن «الحرية والتغيير مجتمعة قررت الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر، وأعلنت برنامجها الخاص بنقاط التجمع» في المدن الثلاث، مضيفاً: «ستطالب هذه المواكب باستعجال حلّ المؤتمر الوطني، ومحاكمة رموزه، وتفعيل لجان التحقيق في مجزرة القيادة العامة». وبينما أشار القيادي في «تجمع المهنيين»، أحمد ربيع، إلى أن الهدف من مسيرات اليوم هو «إحياء ذكرى الثورة»، بيّن عضو لجنة العمل الميداني في «الحرية والتغيير»، شريف محمد عثمان، أن فعاليات الاحتفال ستكون في خمسة مواقع في ولاية الخرطوم، وأن وزير الإعلام في الحكومة الانتقالية، فيصل محمد صالح، سيتحدث بنفسه في مسيرة الخرطوم بحري.
إلى ذلك، أصدر الجيش في وقت متأخر أمس بياناً طالب فيه بـ«إبعاد المواقع العسكرية عن التظاهرات والمسيرات والمواكب السياسية»، قائلاً إنه سيغلق شارع الجيش (الطابية) اليوم من السابعة صباحاً حتى الخامسة مساء. وطالب البيان المتظاهرين بـ«الابتعاد عن نقاط التأمين التي ستكون على شارع الجيش والنقاط الفرعية على الطرق المؤدية إليه».