حيفا- فلسطين / فراس خوري

«بين بقع الدماء التي تملأ الطريق الرئيسي المفضي الى الحضارة أخطو بحذرٍ على رقع لم يصلها الدم
تتسع لحذائي فقط -أحيانا اقف على قدمٍ واحدة- 
او اقفز على صفائحٍ زلقة تطفو فوق السائل المنسكب للتو 
حتى أجد رقعتي العذراء
او تلك التي جف عنها الدم
وغطاها الغبار فأثب اليها –بلباقة-.

بين بقع الدم الحمراء
«اخفف الوطء»
اخطو بحذرٍ
أتنقل بخفةٍ
محاولاً كل الوقت ان اراقب الدم
وأن آخذ منه عيّنات متى تيسر
لأحللها.. واستمر.
وأستمر بتحليلها»
منذ شهر وأنا أحاول عبثاً أن أقوم بحملة فيديو من أجل مخيم اليرموك في سوريا، يمكنني أن أبدأ بالتذمر هنا وأقول «أن لا أحد يكترث» ولذلك ورغم البيانات والدعوات التي قمت بها وعممتها بلغات، لم تنطلق هذه الحملة. يمكنني أن أشرع بلوم من لم يتجاوبوا أو من وعدوا ولم يفعلوا، لكن وفي قرارة نفسي أنا على دراية تامة بأنه ليس هناك من ألومه غير نفسي، فأنا لم أنفخ في هذا المشروع الروح لكي ينهض، وأغلب الظن أنه لم يكن عندي نفس لأنفخه، شأني شأن كل من لم يتجاوب معي. فببساطة لم أشعر بأن بإمكان هذه الحملة أن تغير أي شيء على الإطلاق. شأني شأن أغلبية المواطنين العرب ازاء الوضع في سوريا، فاليرموك هو حمص وحمص هي داريا وداريا هي حلب وحلب هي درعا، كلها أسماء مناطق لم ندخلها يوماً لكن يصلنا صدى فظائعها كل صباح ليعزز من شعورنا بالعجز. منذ أشهر وأنا أشعر بأنه لا حول لي لأن أكـتب، إلا عن الشأن السوري، لكنني في الوقت نفسه أشعر بأن الكلام عن سوريا قد انتهى. ولم يتبقَ لي غير أن أقرأ واقفاً، (لكي لا أعتاد الجلوس، ليس الا). طوفان من الأخبار والتقارير والتحليلات حول الشأن السوري تنهال علينا من كل حدَب وصوب من أقطار هذا الوطن. كل خبرٍ أو تحليل مدموغ بلون الصحيفة أو الفضائية الناشرة. أقرأ كل التشويهات لكي استوعب التشويه بشكل تدريجي ولا أتشوه فجأة. مبتدئون يقذفون تحليلاتهم بلا أي دراسة ويختبؤن خلف زخم الـ «لايكات» والتعليقات. أشباه مثقفين يباعون ويُشترون ينفثون سماً كل يوم عبر الفضائيات، يقنعون أنفسهم قبل النوم بأنهم يفعلون ذلك في خدمة الوطن. في سوريا الأوراق كثيرة، اللاعبون قذرون، وليس هناك اي قانون، لذا بقينا نراقب الدم حتى بدأنا نتعوده. يُكتب الكثير عن سوريا كل يوم، يمكن على نحو رسمي نعي الإعلام المحايد، الإعلام الذي يحاول ان يصل الى الحقيقة. يكتب الكثير والكثير كل يوم، يكتب عن «الجرح النازف»، هناك بُعد رومنسي في هذا التعبير «الجرح النازف» ـــ بعدما استعمل كثيراً لوصف فلسطين ـــ الحقيقة هي أنه في سوريا قد تلوث الجرح، وانسدت الشرايين الموصلة اليه حالياً. هو في حالة غرغرينا تحتاج الى طبيب عبقري، قد تلوث الجرح وتلوثنا معه.
اذا التقى لواء أبو الفضل العباس مع جبهة النصرة من يا ترى سيربح في المعركة؟! عزيزي القارئ اذا كان عندك اي رغبة في أن ينتصر أحدهما فاعلم بانك قد تلوّثت أيضاً.
نخطو فوق بقع الدماء لكي نبرر فظائع فريقنا «أنا مع برشلونا». «لا، لا، أنا مع ريال مدريد»، هكذا بالإمكان تلخيص الجدل في الشارع العربي حول الحرب السورية. أشد ما يذكرني الجدل حول سوريا هو نقاشاتنا العبثية حين كنا أطفالاً، حول من يا ترى كان سينتصر في معركة بين «جان كلود فان دام» و«سيلفستر ستالون»، كنت من محبي «فان دام» وحتى ولو أظهر «ستالون» كل قوته في فيلم حديث وتقاضى مقابله ضعفي ما يتقاضى «فان دام» فأنا مع «فان دام»، أنا مع «فان دام» حتى لو قتل أطفالا في فيلمه الأخير أو طبّع مع اسرائيل.
تنازلت عن فكرة حملة الفيديو وبدأت بإجراء بحث حول مخيم اليرموك وقابلت لاجئين (للمرة الثانية) فلسطينيين، عبر السكايب لكي أفهم وأكتب. جمعت وقرأت وكتبت، لكن حالة الاستقطاب مجنونة، فكيف يا ترى سأبدل كلماتي هنا وهناك لكي تلائم وسيلة الإعلام التي سأنشر فيها. ثم واذا كتبت كل ما أريد، فكيف سأحتمل أن يبدأ الناس بالدفاع عن «برشلونا» أو «مدريد» في تعليقاتهم. وضعت المقال جانباً، لربما لا معنى للحقيقة أثناء حدوث الكارثة، بل الأهم هو تدارك الكارثة، المهم أن ندخل شوربة خضار بإمكانها أن تنقذ حياة طفلة.
بعد مؤتمر «الطنة والرنة 2» (ومن تابع الدكتور هيثم مناع قبل المؤتمر وخلاله لم يُفاجأ من فشل المؤتمر) أشعر بأن كل ما تبقى لنا حالياً هو ان ننتظر لاجئين آخرين يخرجون من سوريا، لنهرع ونعطيهم «بطانية» ولعبة لأطفالهم. الأزمة السورية ستنتهي في نهاية المطاف، لكن الآن وأكثر من أي وقت مضى أفهم أهل كفرنبل في صورتهم الشهيرة، ورفع الشعار الذي يقول «يسقط النظام والمعارضة...تسقط الأمة العربية والإسلامية، يسقط مجلس الأمن...يسقط العالم...يسقط كل شيء... كفرنبل المحتلة 14.10.2011».