عَكَسَ رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي» الإسرائيلي، اللواء عاموس يادلين، قراءة تل أبيب للإعلان الأميركي لمقتل زعيم تنظيم «داعش»، أبو بكر البغدادي، في إدلب في سوريا. إذ بدا من كلامه أن إسرائيل ترى في ذلك مؤشراً سلبياً إلى أولويات أميركية مغايرة لتلك التي تقتضيها مصالح الأمن الإسرائيلي، وهو ما قد يرفع منسوب القلق لدى صناع القرار في تل أبيب. ومع أن رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، هنّأ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على «نجاح» العملية، فإنه تجاهل الإشارة إليها خلال عرضه المستجدات التي تشهدها الساحة الإقليمية.

وفي موقف ينطوي على انتقاد ضمني للأداء الأميركي، أشار يادلين، الذي تولّى سابقاً منصب رئيس «الاستخبارات العسكرية»، إلى أن «داعش لم يعد موجوداً ككيان مناطقي قبل حوالى عامين، مع السيطرة على الموصل والرقة»، في محاولة للإيحاء بأن هذا الاستهداف لا يحمل أهمية نوعية، وهو ما ذهب إليه أيضاً الخبير في «شؤون الإرهاب» في «أبحاث الأمن القومي»، يورام شفيتسر، عندما وصف تصفية البغدادي بأنها «رمزية بالأساس». مع ذلك، لم ينتقص يادلين من الأبعاد المهنية والعملياتية لهذه العملية؛ إذ وصف اغتيال زعيم «داعش» في إدلب بأنه «إنجاز استخباري عملاني»، معتبراً إياه ــــ في التوقيت ــــ «مهمّاً جداً» لترامب الذي يتعرّض لانتقاد من الحزبَين (الجمهوري والديموقراطي) بسبب إخفاقاته الأخيرة، ومنها عدم الرد على الخطوات العسكرية الإيرانية، والتخلّي عن الأكراد.

يرى محلّلون إسرائيليّون أن دوافع ترامب إلى العمليّة «أميركيّة داخليّة»


أما عن أهمية الاغتيال بالنسبة إلى المصالح الإسرائيلية، فقد قال يادلين بوضوح إن «تهديد داعش لإسرائيل هامشي»، وإن ما كانت تريده الأخيرة هو أن «تعمل الولايات المتحدة على نحو مماثل ضد (قائد «فيلق القدس»، قاسم) سليماني، و(الأمين العام لحزب الله، حسن) نصر الله». وأضاف في هذا الإطار إن «الولايات المتحدة تحارب عسكرياً في الشرق الأوسط ضد داعش، وليس إيران التي هي التهديد الأهم لإسرائيل وحلفاء» واشنطن. تهديدٌ يتجسّد في ما تملكه الجمهورية الإسلامية من قدرات، تدفع إلى وضع مواجهتها على رأس الأولويات، لأن «داعش ليس لديه برنامج نووي ولا صواريخ باليستية». وإذ لفت إلى أن حملة «الضغوط القصوى» التي تنفذها واشنطن ضد طهران «لا تحقق أهدافها في ظلّ افتقادها العناصر العسكرية»، فقد حذر إدارة ترامب من أن خروجها من الشرق الأوسط سيؤدي إلى «هيمنة إيرانية، وأسعار نفط مرتفعة، وهيمنة دولة عظمى روسية، وضعف الحلفاء... كل هذا سيضرّ بشدة الأمن القومي الأميركي»، منبهاً إلى أن خروج القوات الأميركية من سوريا «لم يضرّ مباشرة وفوراً إسرائيل»، لكنه قد يفعل مستقبلاً وفق ما توحي به الجملة. مع ذلك، كرّر يادلين المعزوفة الإسرائيلية عن أن «إسرائيل تحارب إيران وحدها في سوريا، وأيضاً ستفعل ذلك في المستقبل»، معتبراً أن الانسحاب ربما يؤدي إلى «تعزيز إسرائيل كحليف رائد وموثوق وقوي في الشرق الأوسط». وعن احتمالات المواجهة مع إيران، رأى رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي» أن «تزايد الثقة بالنفس لدى إيران، وإدراكها أن الولايات المتحدة مرتدعة، يمكن أن يقرّبا مواجهة بين إيران وإسرائيل»، مشدداً في السياق المتقدم على أن «من سيدافع عن إسرائيل هو الجيش وليس الجنود الأميركيون... مع أهمية الحفاظ على دعم أميركي في مجلس الأمن».
من جهته، أشار شفيتسر، وفق ما نقلت عنه صحيفة «هآرتس»، إلى أن «داعش اهتمّ مسبقاً بتسمية خليفة للبغدادي نتيجة معرفته بأن الأميركيين يواصلون مطاردته»، ولذلك قلّل الخبير في «شؤون الإرهاب» من أهمية البغدادي بالنسبة إلى مستقبل التنظيم. لكن المعلق العسكري في «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، شدد على أن «داعش لم يمت بموت البغدادي، وسيواصل عملياته الإرهابية عبر خلايا صغيرة منتشرة في مناطق عدة في أنحاء العالم».