بمقتل زعيمه أبو بكر البغدادي، يطوي تنظيم «داعش» حقبة جديدة من أطواره المتعددة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة خفوت نجمه. وعلى الرغم من أن تقويض معاقل التنظيم في سوريا والعراق كان قد وضع نقطة في خاتمة مرحلة «إدارة التوحش»، إلا أن مقتل «الخليفة» يبدو الحدث الأنسب للتحول إلى علامة فارقة بين مرحلتين، لا سيّما في ضوء ما سينتهي إليه ملفّ اختيار «خليفة للخليفة المقتول».

قُتل أبو بكر البغدادي أخيراً. الرجل الذي بدأ رحلة صعوده عقب خروجه من سجن بوكا (سجن أميركي في العراق)، انتهت مسيرته بهجوم أميركي. وخلافاً لجميع المرّات السابقة التي راجت فيها معلومات عن استهدافه، حظيت الأنباء هذه المرة بتأكيد سريع وحاسم. صحيح أن الزعيم المتطرف لاقى مصيراً متوقعاً، إلا أن تفاصيل العملية التي أودت به وسياقاتها لا تقلّ أهمية عن نتيجتها، إن لم تكن أهم. لم تحمل العملية جديداً: رصدٌ ومتابعة، تعاونٌ استخباري من جهات مختلفة، يُجيَّر في المحصلة لمصلحة اللاعب الأميركي، ويُتوَّج باهتمام خاص بالجانب الاستعراضي. ثمة كثير من النقاط المهمة التي تستوجب التوقف عندها، لأنها كفيلة بتقديم مفاتيح حقيقية لقراءة موازين القوى والتحالفات بين عدد من اللاعبين الفاعلين في المنطقة، ولا شكّ في أن مسرح العملية يأتي على رأس تلك النقاط.

لماذا إدلب؟
لسنوات طويلة، كان البغدادي يتنقل في مناطق سماؤها مفتوحة أمام الطائرات الأميركية، وأرضها تعجّ بالمتعاونين مع واشنطن. ينطبق ذلك على مراحل صعود تنظيم «داعش»، كما على مراحل انحسار سيطرته الجغرافية، ثم تلاشيها بشكل شبه تام. ومما لا شك فيه أن اضطلاع التنظيم بدور وظيفي مهم في الحدثين السوري والعراقي كان كفيلاً بإرجاء أيّ عملية من هذا النوع، إلى مرحلة يكون استثمار الحدث فيها أكثر جدوى. هكذا، انتظر الأميركيون، ولم يقطفوا «رأس الخليفة» إلا داخل محافظة إدلب. على رأس الرسائل المهمة التي يبدو أن اللاعب الأميركي حريص على توجيهها هنا، أنه قادر على تحويل أيّ بقعة في سوريا إلى مسرح عمليات له، ولو كانت محسوبة على لاعبين آخرين. وعلى رغم أن هذه العملية ليست العملية الأميركية الأولى من نوعها في مناطق خاضعة للنفوذ الروسي، إلا أن الثقل النوعي للهدف هذه المرة كفيلٌ بإضفاء دلالات خاصة على «الاختراق». ويبدو أن ثمة مساهمة إقليمية فاعلة جاءت من بغداد، لتؤكد مجدداً أن المسرح العراقي لا يزال حاملاً حيوياً للحضور الأميركي في المنطقة برمّتها، بل وأن هذا الحضور في سبيله إلى التجذّر أكثر فأكثر، مع الخروج الأميركي التدريجي من سوريا. من بين النقاط اللافتة أيضاً، يبرز التعاون التركي في تنفيذ العملية. لم تكن هناك حاجة إلى انتظار صدور تأكيد رسمي تركي للجزم بتعاون أنقرة مع واشنطن في سبيل تسهيل العملية. مع ذلك، جاء التأكيد ليقطع الشك في اليقين، وليقول إن أنقرة تبقى أقرب إلى واشنطن منها إلى موسكو، مهما بلغت التعقيدات السياسية في العلاقة بين الطرفين.

ليس من المتوقع أن تترك تصفية «الخليفة» تأثيراً فعلياً على عمل التنظيم


على المقلب الآخر، يبدو لافتاً أيضاً أن واشنطن فضّلت تنفيذ عملية بهذا الحجم في بيئة محسوبة على الأتراك، ولم تُقدِم عليها في سنوات الشراكة مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وداخل الحيّز الجغرافي الذي تَشارك الطرفان السيطرة عليه. لا يعني هذا نفي احتمال حدوث محاولات سابقة، أو عمليات فاشلة لم يُكشف عنها بالتعاون بين واشنطن و«قسد»، لكن «العبرة في الخواتيم»، والخواتيم تقول إن أنقرة هي من شارك في تحقيق هذا «النصر»، لا «قسد». سيُقال الكثير عن الثمن الذي قد تكون أنقرة حصلت عليه، أو وُعدت به في مقابل تعاونها، لكن الأهم أن اللاعب التركي قرّر المجاهرة باضطلاعه بدور مهم في العملية، من دون أن تعيقه عن ذلك حسابات ردود الفعل الانتقامية المحتملة. وأكدت وزارة الدفاع التركية، في بيان لها، حدوث تبادل معلومات وتنسيق بين السلطات العسكرية التركية والأميركية. ويبدو لافتاً في هذا الإطار ما تداولته مصادر «جهادية» عن وجود تعاون بين أنقرة و«هيئة تحرير الشام».

تعاون «جهادي»؟
أكد بعض المصادر غير الرسمية أن قيادة «هيئة تحرير الشام» كانت قد «أخطرت نقاطها العسكرية في سرمدا وباريشا بأن حوامات تركية ستدخل المنطقة على ارتفاع منخفض». وعلى رغم أن كلام المصادر قد يندرج في إطار تراشق الاتهامات، إلا أن سيناريو التعاون اللوجيستي بين «تحرير الشام» وأنقرة ليس مستبعداً على الإطلاق. ويجدر التذكير بأن مصادر عديدة كانت قد أكدت قبل قرابة شهر عودة الحرارة إلى خطوط التنسيق بين أنقرة و«الهيئة»، استعداداً لتنفيذ «صفقات قذرة» (راجع «الأخبار» 12 تشرين الأول 2019). وكانت مصادر جهادية عديدة قد تداولت أنباءً في أثناء تنفيذ العملية، من دون أن يكون واضحاً حينها ما هو هدف الأخيرة، قبل أن يتكشّف الأمر لاحقاً، ويتجدد الحديث عن تعاون «الهيئة» مع الأتراك. ووصلت العلاقة بين الطرفين إلى لحظات مفصلية كثيرة، غير أنهما عرفا دائماً كيف يتجاوزانها، بما يخدم مصالح مشتركة (مؤقتة). ويصعب تصور دخول البغدادي إلى إدلب، ومكوثه في إحدى مناطقها، من دون أن تمتلك «تحرير الشام» معلومات أو معطيات تجعل هذا الاحتمال قيد البحث على الأقلّ. وأثبت «الجهاز الأمني للهيئة» مرات عديدة «كفاءته» في ما يتعلّق باستهداف «خلايا داعش» داخل إدلب على وجه الخصوص. كما أن توجيه أصابع الاتهام إلى أبو محمد الجولاني وخلاياه الأمنية في شأن تسهيل استهداف وجوه «جهادية» بارزة كان حاضراً باستمرار، سواء عند استهداف قيادات «قاعدية» كما حصل غير مرة، أو مع استهداف كوادر من تنظيمَي «حراس الدين» و«أنصار التوحيد» في نهاية شهر آب الماضي.

«داعش» الغد: من يخلف «الخليفة»؟
من بين الأسئلة الأكثر إلحاحاً اليوم، يبرز واحد مرتبط بتأثيرات تصفية البغدادي على مستقبل تنظيم «داعش»، ومستقبل «الحركة الجهادية» بالعموم. وليس من المتوقع أن تترك تصفية «الخليفة» تأثيراً فعلياً على عمل التنظيم، بفعل عوامل عدة، من بينها البنية التنظيمية «الهرمية» التي تحكم «داعش» منذ مطلع العقد الحالي (راجع «الأخبار» 10 تموز 2014). وخضعت هذه الهيكلية لتعديل شديد الأهمية، مع فقدان التنظيم قدرته على التحكم في الجغرافيا، لتتحول «إدارة التنظيم» إلى نمط من «اللامركزية»، بحيث يتاح لزعماء الخلايا اتخاذ القرارات بمعزل عن رأس الهرم. ويسهم في انخفاض التأثيرات المحتملة، توزع الولاءات التي راكمها «داعش» على بقع جغرافية متباعدة، تفصل بين بعضها قارّات. وعلى رغم أن «ولايات داعش» حول العالم كانت قد نشأت إبّان صعوده، وفي مرحلة تحصيل «البيعات»، إلا أن هذه «الولايات» لم تتأثر فعلياً بسقوط معاقل التنظيم في سوريا والعراق. ويُردّ ذلك إلى أن تبعية معظمها لـ«الخلافة» كانت رمزية. على أن تصفية البغدادي قد تؤدي إلى تحلّل بعض الجماعات من «بيعتها» له، من دون أن يعني ذلك زوال خطر تلك الجماعات. ولا شك في أن شخصية «خليفة البغدادي» ستلعب دوراً مهماً في مسألة «البيعات»، ومدى إمكانية حفاظ التنظيم عليها. ومع أن مصادر عديدة ترجّح بقاء أمر زعامة التنظيم في حوزة العراقيين، فإن تبدل موازين القوى داخل التنظيم نفسه يجعل الأمر مفتوحاً أمام احتمالات كثيرة. ويبرز من بين المرشحين المحتملين أبو الوليد الصحراوي، زعيم «الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» (راجع «الأخبار»، 30 نيسان 2019). أيضاً، يبرز السعودي أبو عبد الرحمن الجزراوي، والعراقي عبد الله قرداش، مع الإشارة إلى أن وجود الإثنين على قيد الحياة مسألة غير محسومة، في ظلّ معلومات تم تداولها مرات عديدة عن مقتلهما. كما تداول بعض المصادر اسم أبو عثمان الفرنسي (دوس سانتوس)، أحد جلّادي التنظيم، بوصفه مرشحاً محتملاً. وتجدر الإشارة إلى نقطة حاسمة في مسألة اختيار خلف للبغدادي، قوامها أن بعض الأدبيات «الجهادية» تنص على ضرورة تمتع «الخليفة» بنسبٍ قُرشي (نسبة إلى قبيلة قريش)، وهو أمر غير متوافر في معظم الأسماء المتداولة. ولن يكون مستبعداً التفاف «مجلس الشورى» على هذه الجزئية، أو استغلالها لإيصال شخصية غامضة إلى رأس التنظيم، في صورة تستنسخ سيرة البغدادي نفسه.

البغدادي في سطور
هو إبراهيم بن عواد بن إبراهيم البدري، من مواليد سامراء في العراق عام 1971. كان يلقّب بـ«الكرار»، ويُكنّى «أبو دعاء». تُفيد إحدى الروايات السائدة بأنه تخرّج في الجامعة الإسلامية في بغداد، وحصل منها على الماجيستر ثم الدكتوراه، فيما ينفي بعض المصادر «الجهادية» المناوئة للتنظيم حصوله على الدكتوراه. مثّل انتماؤه إلى عشيرة «البوبدري» أحد عوامل قوته. ووفقاً لتصريحات أدلى بها مسؤول في وزارة الداخلية العراقية في كانون الأول 2012، فإن البغدادي «سبق أن اعتُقل في سجن بوكا في البصرة». أسهم البغدادي في تأسيس الكثير من الجماعات الجهادية، ومنها «جيش أهل السنّة والجماعة»، وشغل فيه منصب «أمير القسم الشرعي». كما اختير عضواً في «مجلس شورى المجاهدين»، وكان من المقرّبين إلى أبو عمر البغدادي «مؤسس دولة العراق الإسلامية». «بويع أميراً لدولة العراق الإسلامية» في 16 أيار 2010، ثم أصبح في نيسان 2013 «أمير الدولة الإسلامية في العراق والشام». وفي 29 حزيران الماضي، أُعلنت «مبايعته خليفةً للمسلمين».