أضفى كلام الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الكثير من الغموض والتشويق على كيفية مقتل زعيم تنظيم «داعش»، أبو بكر البغدادي، عندما أشار إلى تعاون من جانب أربع دول، هي: العراق وروسيا وتركيا وسوريا، فضلاً عن «قوات الحماية» الكردية، لتُطرح التساؤلات حول الدور الذي قامت به هذه الدول والقوى في المشاركة أو في تسهيل عملية قتل البغدادي. وفي وقت حيّدت فيه روسيا نفسها بالإعلان أنها لم تتبلّغ بشيء، ولم تلحظ أيّ مرور للطوافات الأميركية فوق مناطق وجودها، بل والتشكيك في مقتل البغدادي نفسه، أعلنت بغداد أنها تعاونت، فيما سوريا لم تعلّق بعد. أما تركيا، فقد اكتفى مسؤولوها ببيانات غامضة ترجّح التعاون، وخصوصاً بعدما تسرّبت أنباء عن أن الطائرات التركية انطلقت من قاعدة إنجيرليك. وحدها «قوات سوريا الديموقراطية» كانت الأكثر حماسة، وخصوصاً بعد إشادة ترامب بمظلوم عبدي، القائد العام لـ«قسد».

وعلى رغم مرور بضعة أيام منذ الإعلان عن الواقعة (الأحد الماضي)، فإن مقتل البغدادي لا يزال يتصدّر التحليلات التركية. فالمكان الذي قتل فيه الرجل هو باريشا، الواقعة داخل منطقة إدلب التي تسيطر عليها تركيا مباشرة أو بشكل غير مباشر. وتقع باريشا على بعد 5.5 كلم فقط من حدود لواء إسكندرون (أي المسافة الفاصلة بين منطقة قاضي كوي وتقسيم داخل إسطنبول، بحسب الكاتب التركي، سادات إرغين، في صحيفة «حرييت»)، وإلى الشمال الشرقي من نقطة المراقبة التركية رقم 1 في إدلب. ومن غير الممكن والحال هذه، يقول إرغين، ألّا تُسمع من داخل الأراضي التركية الانفجارات التي رافقت العملية الأميركية. الأكثر دلالة هنا أن أحد اثنين من أكبر الزعماء الإرهابيين (إضافة إلى محمد الجولاني زعيم جبهة «النصرة») كان موجوداً في منطقة نفوذ وسيطرة ومراقبة تركية، وهذا مؤذٍ جداً لصورة تركيا أمام العالم. إذ إن البغدادي، لم يرَ، من بين كلّ مساحات سوريا الواسعة الواقعة بمنأى عن قوات الجيش السوري وغيره، إلا في إدلب المنطقة الأكثر أمناً له. وربما يكون قد جاء إليها في آذار الماضي بعد سقوط منطقة الباغوز بيد قوات «قسد»، وهروب العديد من زعامات التنظيم إلى إدلب تحديداً. وهذا الذي لم يغفل الإشارة إليه بريت ماكغورك، المبعوث الأميركي إلى «التحالف الدولي لمحاربة داعش»، في مقالته في صحيفة «واشنطن بوست»، حيث قال إن تركيا لم تقدم مساعدات لاعتقال أو قتل البغدادي، على رغم أنه كان يقع في منطقة تحت سيطرتها. وركّز ماكغورك في مقالته على أن إدلب صارت جنة لما يقارب 40 ألف إرهابي دخلوا إلى سوريا عبر تركيا. وأضاف إن عدم تعاون أنقرة أجبر واشنطن على أن تنطلق الطوافات الثماني التي نفذت العملية من العراق، وليس من إنجيرليك. اعتبار إدلب وكراً للإرهاب يشدّد الضغوط على تركيا، ويمنح روسيا والدولة السورية ورقة قوية لتبرير أيّ هجوم على إدلب ما لم تبادر تركيا إلى التخلّص بنفسها من التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها «هيئة تحرير الشام» («النصرة» سابقاً)، وخصوصاً أن روسيا نفسها وصفت سابقاً إدلب بأنها وكر للإرهاب. قتل البغدادي في إدلب سوف يعطي أفضلية أكبر لروسيا لتمارس دوراً ضاغطاً على تركيا بعدما سهّلت لها إقامة «المنطقة الآمنة» بموجب اتفاق سوتشي الأخير. وبالتالي، يقول سادات إرغين، إن قدرة تركيا على الاحتفاظ بالوضع القائم حالياً في إدلب دونه صعوبات كثيرة.

تقديم ترامب الشكر لتركيا سيكون عاملاً مُقوّياً لاجتماع إردوغان مع ترامب


وتخفي تصريحات المسؤولين الأتراك أموراً غامضة في شأن الدور التركي في عملية قتل البغدادي. وزير الدفاع، خلوصي آقار، أعلن أنه كان هناك تنسيق في العملية، فيما أكد وزير الخارجية، مولود تشاووش أوغلو، أن تركيا كانت في قلب التعاون لقتل البغدادي. لذلك، فإن الدور التركي لا يزال غير واضح، وإن كان من غير المنطقي أن تقوم الولايات المتحدة بعملية داخل منطقة إدلب وبهذه الطريقة من دون تعاون تركيا. يُذكّر المحلل مراد يتكين بأن الولايات المتحدة نفذت في 31 آب 2019 غارة جوية في منطقة إدلب استهدفت قتل البغدادي، لكن عدم تنسيقها مسبقاً مع تركيا وروسيا أدى إلى إفلات زعيم «داعش». أما اليوم، فإن التعاون التركي والروسي المسبق مع أميركا أتاح لها فرصة قتل البغدادي. وينقل يتكين عن مصدر أمني تركي أن الولايات المتحدة لم تستخدم قاعدة إنجيرليك في العملية، لكن الطائرات الأميركية قد تكون استخدمت المجال الجوي التركي كما مناطق درع الفرات في التحليق على ارتفاع منخفض. كما لا يمكن استبعاد أن يكون المجال الجوي لإسكندرون موضع اتفاق بين تركيا وأميركا لاستخدامه في حال تعرّض أيّ طائرة للسقوط وإخلاء الجرحى أو القتلى عبر إسكندرون إلى السفن الأميركية في البحر المتوسط.
كذلك، توقفت الصحافة التركية عند تمييز ترامب لمظلوم عبدي، القائد العام لـ«قسد»، ولمست فيه عدة أبعاد؛ منها: تشجيع «القوات الكردية» على أن تكون حارسة لآبار النفط لحساب الولايات المتحدة، ومنعها من الاستمرار في علاقاتها المستجدة مع الدولة السورية، والتخفيف من الصدمة التي حصلت لديها جرّاء تخلّي الولايات المتحدة عنها. لذا، فإن تقديم ترامب الشكر لتركيا على دورها في العملية سيكون عاملاً مُقوّياً لاجتماع إردوغان مع ترامب في 13 تشرين الثاني المقبل في البيت الأبيض، وسيفتح مرحلة جديدة في العلاقات التركية ــــ الأميركية تساعد إردوغان على موازنة ومقاومة الضغوط الروسية ــــ السورية المقبلة. أما مسألة بقاء قوات من «قسد» في مناطق النفط شرقي الفرات فلن تشكّل لإردوغان أيّ مشكلة ما دامت بعيدة عن الحدود التركية بأكثر من 32 كلم.