الخرطوم | على رغم امتداد حكم عمر البشير للسودان لثلاثين سنة، ومن ثم عزله والإطاحة به بثورة شعبية، تكاد أن تكون التهم المُوجّهة إليه غريبة بالنسبة إلى السياق العام لحكم الرجل المطلوب للعدالة الدولية، وقياساً أيضاً إلى الثورة. فقضية امتلاك أموال بعملات صعبة في «بيت الضيافة»، على أهميتها، تبقى صغيرة أمام قضايا يفترض أنها أكبر، وأن الشعب قام من أجلها، فما الحكاية؟

حينما أصدر الرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، بالاعتماد على «قانون الطوارئ»، قراراً حظّر بموجبه تخزين العملة المحلية والتداول بالعملات الأجنبية خارج الإطار المصرفي، لم يكن يدري أنه سيكون أحد المُدانين بهذا القانون. فبعد عزله في 11 نيسان/ أبريل الماضي، جرّاء ثورة شعبية، وردت معلومات عن وجود أموال في «بيت الضيافة»، ليكلّف «المجلس العسكري» وكيل نيابة مكافحة الفساد فتح بلاغ في الموضوع وفق اختصاصه. عثر الأمن في المكان المذكور على سبعة ملايين يورو كانت سبباً في اتهام البشير بـ«حيازة واستخدام النقد الأجنبي». البشير، على مدى جلسات المحاكمة التسع الأخيرة، أقرّ بأنه لم يضع هذه الأموال في خزينة الدولة، وأنها لم تأتِ عبر قنوات قانونية. كما اعترف بأن الأموال المصادَرة متبقية مما يعادل 25 مليون دولار تلقاها من ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وكانت ضمن «العلاقات الاستراتيجية للسودان مع السعودية»، مدعياً أنها «استُخدمت كتبرعات» كونه حصل عليها بصفة شخصية، وأن السبب في وضعها لديه من دون البنك أو الخزينة كان إخفاء اسم ابن سلمان.
لكن المحامي ورئيس لجنة التحقيق في فضّ اعتصام القيادة العامة، نبيل أديب، يقول إن العثور على هذه الأموال يكشف الطريقة التي كان يتعامل بها الرئيس المعزول مع المال العام، خاصة أنه لا يوجد ما يلزمه تسليم الأموال لوزارة المالية. ويرى أديب، في حديث إلى «الأخبار»، أن هذا يستدعي «إلزام المخلوع الكشف عن أيّ أموال استلمها ولم يورّدها إلى الخزانة، لأنها مدفوعة لحكومة السودان وليس لشخصه... هذا التصرف يخالف أسس النظام الديمقراطي الذي يقتضي أن يتحكم في توزيع الأموال ممثلو الشعب في البرلمان وليس الرئيس». وعن بروز هذه القضية دون غيرها، يقول إنه ستُفتح بلاغات ضد البشير في قضايا أخرى، لكن التحرّي جارٍ فيها، مستدركاً: «إذا تعددت الاتهامات، تتعدد المحاكمات».

يخاف شهود الدفاع حضور المحاكمة حتى لا يتحولوا إلى متهمين


تنشط هذه الأيام مجموعات حقوقية وأخرى سياسية لتوجيه اتهامات أخرى إلى الرئيس المعزول من بينها جرائم متعلقة بـ«انقلاب 1989» الذي أتى به إلى السلطة، وأخرى ترتبط بجرائم حرب في إقليم دارفور. وهنا، يطالب القيادي في «تجمع المهنيين»، أمجد فريد، بتأسيس محكمة خاصة بانقلاب 1989 وما ترتب عليه من جرائم ارتكبها النظام. وأضاف فريد: «هذا ليس بدعة، فقد شهدت حوادث في التاريخ مثل هذه المحاكم». ومن جهة ثانية، ذكرت «منظمة إنهاء الإفلات من العقاب» (EIO) أن «المحكمة الدستورية في السودان قبلت شكلاً عريضة تقدّمت بها بشأن تسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية، الذين يقبع جميعهم في سجن كوبر (بمدينة) بحري، وأبرزهم البشير».

العائلة في قفص الاتهام
عموماً، لم يكن عمر البشير وشقيقه عبدالله وحدهما اللذين يواجهان التُّهم، فقد دوّنت «مخالفة الأراضي» هذا الأسبوع بلاغات في حق نحو عشرة من رموز النظام السابق على خلفية تجاوزات. وتلفت مصادر إلى اتجاه لرفع الحصانة عن عدد منهم. كما قيّدت النيابة إجراءات جديدة في مواجهة الشقيق الثاني للبشير، عباس، الذي غادر إلى تركيا من دون أن تتمكن السلطات من اعتقاله، بعدما اتضح أنه يملك 22 قطعة أرض في منطقة كافوري في بحري. أما الزوجة الثانية للرئيس المخلوع، وداد بابكر، فتخضع للإقامة الجبرية وفق مصادر أخرى نفت ما قاله شقيق ثالث له، هو محمد، في حوار، وفيه أن بابكر تعيش مع أحد أقاربهم حالياً. في المقابلة نفسها مع صحيفة «الصيحة»، انتقد محمد وضع شقيقه في قفص الاتهام وتقديمه إلى المحاكمة لأنه «كان رئيساً للبلاد»، مضيفاً أن الأموال التي يحاكَم عليها الرجل «صُرفت على جهات خدمية ولم يتصرف فيها لشخصه». وقال: «عمر البشير لا يملك غير فيلا صغيرة مساحتها 500 متر تقيم فيها زوجته الأولى، فيما تقيم الثانية مع أقربائنا». ووفق إفادته، يعيش البشير في «ظروف جيدة إجمالاً» في السجن وتزوره عائلته بانتظام.

الدفاع ضد البشير!
أياً يكن، فعلى صعيد المحاكمة الحالية التي بدأت في 19 آب/أغسطس الماضي بتهمتَي «الثراء الحرام» و«التعامل غير المشروع بالعملة الأجنبية»، ظلّت الجلسات تشهد تطورات متصاعدة، ولاسيما مع ظهور تعقيدات خاصة بالشهود ليست في مصلحة البشير. فمثلاً، قال مندوب «بنك السودان» لدى مثوله بصفته شاهد دفاع، إن المبالغ موضوع الدعوى (25 مليون دولار) تعتبر «مخالفة للائحة البنك لعام 2013 التي تضبط التعامل بالنقد الأجنبي». كذلك، ثمة شاهد آخر قال عندما عُرض عليه مستند دعم وزارة الدفاع وجامعة أفريقيا العالمية إن الميزانية لا تسمح بدعم بحجم المبلغ الوارد في المستند، مضيفاً أن الدعومات خارج المستند تخضع لتقديرات الرئيس وتخرج من المالية مباشرة بعد سلسلة من الإجراءات، وهو ما قلب شهادات الدفاع ضد الرجل.
ولذلك، أقرّ عضو الدفاع، المحامي محمد الحسن الأمين، بأن بعض الشهود لم يكونوا مفيدين، قائلاً إلى «الأخبار» إنهم حددوا شخصيات بالأسماء للشهادة وشخصيات وفق مواقعهم الرسمية. وأضاف الأمين أنهم لما أرادوا أن يأتوا بالشخصيات التي عرفوها بالأسماء رفضت الجهات المعنية، مضيفاً: «قررنا أن نبدأ بالشخصيات المفيدة للقضية... لكنهم لم يكونوا المعنيين. مثلاً في بنك السودان كنا نريد شخصاً من إدارة العمليات فجاءنا موظف من إدارة السياسات والبحوث والإحصاء»، مشيراً إلى أن «اختيار الشهود تم عبر الإدارات العليا للأجهزة (السيادية). ولذلك، طلب الدفاع شهوداً إضافيين».
مع هذا، يبدو واضحاً أن الشهود صاروا غير متحمّسين للمثول أمام المحكمة خوفاً من أن يتحولوا إلى متهمين وتُفتح بلاغات ضدهم، الأمر الذي حدث بالفعل لمدير مكتب المخلوع، حاتم حسن بخيت. وذلك يشمل كلّ من كانوا يشغلون مناصب مهمة في عهد البشير، ومن بينهم وزير المالية الأسبق، مسلم أحمد الأميري، الذي حضر لكنه لم يدلِ بشهادته. وهنا، يقول المحامي الأمين إن مسلم تلقى اتصالاً من النيابة فحواه تهديد بفتح بلاغ ضده، فيما «رفض القاضي الاستماع خارج المحكمة إلى هذه المعضلة».
وكان لافتاً صدور أمر قبض بحق المراجع العام للحكومة، الطاهر عبد القيوم، من قِبَل قاضي محكمة جرائم الفساد ومخالفات المال العام، الصادق عبد الرحمن الفكي، بتهم تتعلق بـ«الثراء الحرام والمشبوه وحيازة النقد الأجنبي»، بعدما رفض القيوم الحضور للإدلاء بشهادته كشاهد دفاع. وتم إبلاغ الفكي بواسطة المحكمة، فيما خاطبه الدفاع بالغرض من الشهادة، لكنه اعتذر في خطاب مكتوب قال فيه إن شهادته غير مجدية في ظلّ عدم وجود تقرير مراجعة، لكن القاضي أصرّ على أن يأتي ويقول هذا الكلام في المحكمة، علماً أنه سرعان ما غادر البلاد. من جهة ثانية، يقلّل الأمين من الضجة التي أثيرت حول ضبط هاتف لدى البشير بعدما سُرّب إليه بواسطة شرطي. ويستطرد المحامي بالقول إن القائد الثاني لـ«قوات الدعم السريع»، الفريق عبد الرحيم دقلو، وهو شقيق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تهرّب من الشهادة «لأنه استلم أكثر من خمسة ملايين يورو... السبب أن من انقلب على البشير هو حميدتي و(رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح) البرهان».
ووفق الأوساط المعنية، استلمت وزارة الدفاع مما كان لدى البشير أربعة ملايين و250 ألف يورو (طبقاً لشهادة مدير مكتب وزير الدفاع اللواء الصادق إسماعيل)، فيما تسلّمت «هيئة التصنيع الحربي» مليوناً و200 ألف (وفقاً لشهادة مدير قسم التمويل في الهيئة الصادق يعقوب)، في حين أن أربعة ملايين سُلّمت لجامعة أفريقيا (من إفادة الموظف عبد المنعم محمد خضر)، ثم ذهبت الملايين الخمسة إلى عبد الرحيم دقلو. وبينما قررت المحكمة عقد الجلسة العاشرة في الخامس من الشهر المقبل، يفترض أن تكون هي الأخيرة ليجري بعدها بجلسة النطق بالحكم، علماً أن هيئة الدفاع استأنفت للمرة الثانية أمام المحكمة العليا (بعدما رفضت «الاستئناف» الطعن الأول)، وهو ما قد يغير في المجريات.