لم يُدرك مأمون، حين سمع صوت طرق على الباب بداية الشهر الماضي، أن ضباطاً ومجندين من الجيش السوري هم من التجأوا إلى بيته في تلك الليلة. هؤلاء لم يكونوا يعلمون أنّ منزله مؤثث بالكامل من «غنائم الثورة». استقبلهم في بيته أياماً عدة بعدما فروا من سجون «حركة أحرار الشام الإسلامية» أثناء حربها مع «الدولة الاسلامية في العراق والشام».


يروي مأمون لـ «الأخبار» كيف بدأ يفكّر بطريقة لإخراج الضباط والمجنّدين، وعددهم نحو خمسة عشر، من «ولاية الرقة». «إنها مغامرة، والموت هو النتيجة الحتمية التي تنتظرنا جميعاً إذا انكشفنا»، يقول. ويضيف: «فكّرت في النقاب، إلا أنّها فكرة فاشلة بعد الاستهدافات الأخيرة لحواجز داعش في المدينة، التي استخدم فيها النقاب، الأفضل نقلهم بسيارة شاحنة إلى خارج حدود المحافظة».
مُلئت الشاحنة بأكياس ألبسة مستعملة، استلقى الضباط والمجندون تحتها. قطعت الشاحنة كل الحواجز من دون تفتيش، لأن السائق معروف لدى عناصر الحواجز، ولمأمون معارفه أيضاً. وصلت الشاحنة إلى حواجز الجيش السوري وبلغ العناصر أهلهم سالمين.
خلايا العَلَم
كان مأمون، حتى الأمس القريب، أحد «الثوّار» المستفيدين من سقوط الرقة، مستغلّاً ظروف الحرب. وحقّق فوائد جمّة دون أن تتلطخ يداه بدماء السوريين، «فقط بأموالهم». أضحى اليوم بطلاً وطنياً، يحفظ في هاتفه أرقام ضباط كبار، ويتحدث إلى ضباط في الحرس الجمهوري.
أسّس مع نحو ثلاثين شاباً خلايا أطلقوا عليها اسم «خلايا العلم السوري»، وعملها «مدني سلمي سري نسبة الخطأ فيه يجب أن تكون صفراً». يقول مأمون: «رفعنا العلم السوري فوق مؤسسة الإسكان والتعمير، وصوامع الحبوب، ومعمل السكر بالتنسيق مع قيادة «الفرقة 17»، وعلى مآذن مقام أويس القرني قرب مقر جبهة النصرة، ولواء المنتصر بالله، وفي ساحة الشماس وسط المدينة والشوارع المتفرعة عنها». وانتشرت كتابات «الرجل البخاخ» في مختلف الأحياء مؤكدة اقتراب تحرير المدينة، وبدأ التنسيق مع «سرايا أنصار الجيش العربي السوري» في الرقة.

«سرايا الأنصار»

أقيم في دمشق معسكر لتدريب «سرايا أنصار الجيش العربي السوري»، يجتمع فيه متطوعون من محافظة الرقة، وصل عددهم إلى 450، أغلبهم أعضاء تجمعات شبابية مؤيدة للدولة، كانت قد نشطت خلال عامين من الأزمة في المدينة، إضافة إلى أفراد من «الدفاع الوطني»، الذين فروا مع عائلاتهم إلى دمشق واللاذقية بعد سقوط المحافظة. يقضي جاسم العلي وقته بين ساحة المرجة وسط دمشق، وبيته في نهر عيشة في ريف العاصمة. يُنهي تدريباته العسكرية، ينفث دخان سيجارته، ليروي لـ«الأخبار» قصصاً «تبعث على التفاؤل»: «التدريبات مستمرة منذ أشهر، وسندخل الرقة قريباً جداً، لم يتوقف تدفق الشباب إلى معسكر التدريب منذ سقوط المدينة».
استأجرت الحكومة السورية لأغلب مؤيديها من «الرقيين» بيوتاً في مشروع دمّر وصحنايا ونهر عيشة، وحجزت لآخرين في فنادق العاصمة. وتصل رواتب أفراد «السرايا» إلى 25000 ليرة سورية (ما يقارب 170 دولاراً أميركياً).

فرضيات التحرير

نشوب معارك في مدينة الرقة يعني تدميرها، فهي بمساحة أحيائها السكنية الصغيرة لن تحتمل حرباً لأكثر من عشر ساعات، إلا أن بناءها مجدداً سيحتاج إلى سنوات. هذا ما يطرحه ابن الرقة المحامي، والنائب السابق إسماعيل الحجو، الذي يتابع أوضاع الرقيين خارج مدينتهم. ويضيف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري، أنّ الرقة «ليست أولوية للجيش السوري. هناك معارك أهم حالياً».
لكن معاناة المدنيين في الرقة منذ نحو عام كامل تفرض التدخل لإنهاء هذه المعاناة، لذا يروي الحجو أنّه «يوجد سيناريوهان لاستعادة مدينة الرقة، أولهما: تدخل الجيش السوري واقتحام المدينة، وهذا ضريبته باهظة لن تحتملها الرقة وأهلها»، أما الثاني، فهو «استغلال صحوة الحس الوطني، ونشاط شباب الرقة الوطنيين، والعمل على إيجاد التنسيق المناسب بينهم وبين قوات الجيش السوري لاستعادة المدينة بيد أبنائها وبأقل الخسائر».

ضربة استباقية

أخذت قوى معارضة، كان تنظيم «داعش» قد قضى عليها، بإعادة ترتيب صفوفها على الأرض، مشكّلة «الهيئة الوطنية المؤقتة في محافظة الرقة»، بعدما علمت بالحراك المؤيد للدولة السورية، وشعرت باحتمال فقدان «داعش» سيطرته على المدينة على نحو مفاجئ. وأعلنت الهيئة، التي تشكلت قبل أيام، في بيان، «أنّها تضم أفراداً مدنيين وعسكريين وقوى ثورية»، ومن أبرز أهدافها توحيد كل فصائل «الجيش الحر» تحت مسمى «لواء ثوار الرقة في المحافظة».
الهيئة ـــ المؤلفة من ممثلي «المجلس الوطني الكردي» والمستقلين الأكراد في المحافظة (تمثيلاً سياسياً ومدنياً فقط)، والكتلة التركمانية في المحافظة، وقوى «شباب الثورة»، والمجلس المحلي لمحافظة الرقة ــ تعهدت تحرير المحافظة من القوى «التي مارست طغيانها»، وتشكيل سلطات قضائية مدنية، والنظر في الانتهاكات الإجرامية الشائنة والتعديات على كافة المدنيين، وبناء جهاز شرطة مدنية وتأهيله للقيام بمهمات حفظ الأمن كقوة تنفيذية وحيدة تدار بأوامر السلطة القضائية، وإنشاء صندوق دعم مالي خاص في المحافظة وتحت الرقابة الدائمة، ورسم السياسات الإدارية والتنظيمية وإنشاء الأطر الإدارية اللازمة لإدارة المحافظة مدنياً بعد «التحرير».
وبدأ «الجناح العسكري» للهيئة عمله على الأرض، واستهدف مقاتلوه دوريات وعناصر تنظيم «داعش» في مختلف أنحاء المحافظة.
وأخذ تنظيم «داعش»، أيضاً، بالاستعداد لمواجهة محتملة مع أخصامه من المعارضة، واستقدم مقاتليه من ريف حلب، معزّزاً حواجزه على مداخل المحافظة، وخاصة بعد اغتيال القائد العسكري التابع لتنظيمه، والملقب بأبو بكر التونسي، أمام مستشفى الطب الحديث.
قد يكون سباق بين مختلف القوى لاستعادة السيطرة على محافظة الرقة، فإما أن تؤول السيطرة من جديد للحكومة السورية على جميع مراكز المحافظات السورية، أو تعود عقارب الساعة إلى الوراء لتكون الرقة بيد من انتزعها من الجيش السوري، من فصائل معادية اليوم لـ«داعش». أما هذه الأخيرة بتحصينها لمواقعها في هذه المدينة وريفها، فقد يكون من الصعب أن تتخلى عن آخر أوراقها الرابحة بعد هزائمها المتتالية في ريف حلب ودير الزور وريفها.