الخرطوم | أصدرت النيابة العامة السودانية، قبل يومين، أوامر بالقبض على المشاركين في انقلاب حزيران/ يونيو 1989، والذي قاده الرئيس المعزول عمر البشير، وحظر سفرهم. ويأتي قرار النيابة على خلفية بلاغ قدّمه محامون سودانيون ضدّ قادة الانقلاب في أيار/ مايو الماضي، بتهمة تقويض السلطة الشرعية قبل ثلاثة عقود. والمتهمون في البلاغ أغلبهم مودَعون في سجن كوبر، وعلى رأسهم البشير، والنائب الأسبق لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد طه، ومدير جهاز الأمن والمخابرات سابقاً نافع علي نافع، والوزير السابق عوض أحمد الجاز.

اللافت أن الأوامر اقتصرت حتى الآن على من يمثلون الجانب المدني في الانقلاب، من دون التطرّق إلى أسماء قيادات كانت في المجلس العسكري لـ«ثورة الإنقاذ» مثل بكري حسن صالح وفيصل مدني مختار وصلاح الدين كرار. لكنّ الناطق باسم «قوى الحرية والتغيير»، المحامي وجدي صالح، يقول لـ«الأخبار» إن الأوامر التي صدرت شملت كلّ الأحياء الذين شاركوا في انقلاب 1989 من المدنيين والعسكريين، مؤكداً أن إجراءات النيابة مستمرّة ضدّ كلّ الذين تورّطوا في الانقلاب. ويلفت صالح إلى أن تقويض النظام الدستوري من الجرائم المنصوص عليها في القانون، لأنه يفرض حكّاماً غير مختارين بالنظم الديمقراطية، إضافة إلى أن النظام المعزول ارتكب جرائم في حقّ المواطنين وأعدم خيرة أبناء القوات المسلحة.
من جهته، أفاد منسّق اللجنة الإعلامية في تحالف «قوى الحرية والتغيير»، محمد حسن عربي، بأن النيابة خاطبت سلطات سجن كوبر لتسليم البشير وطه والجاز من أجل التحقيق معهم. وأشار إلى أنه تمّ بالفعل القبض على يوسف عبد الفتاح، أحد مدبّري الانقلاب، وإيداعه السجن نفسه، مضيفاً أن النيابة أصدرت أوامر توقيف في حقّ كل أعضاء مجلس قيادة الانقلاب من العسكريين والمدنيين، بمن فيهم الأمين العام لحزب «المؤتمر الشعبي» علي الحاج محمد، ورئيس مجلس شورى الحزب والمساعد السابق للرئيس المعزول إبراهيم السنوسي، لكن لم يتم القبض عليهما. وفي هذا الإطار، أعلن الأمين العام لـ«المؤتمر الشعبي»، علي الحاج محمد، في مؤتمر صحافي، أن مجموعة زعمت أنها ذات صلة بمكتب النائب العام وصلت مساء الخميس، السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، إلى بيت السنوسي وطلبت مقابلته من أن تظهر دوافعها ثم انصرفت، جازماً أن هذه المجموعة ذات صلة ببلاغ النائب العام الخاص بقضية انقلاب 1989. ووصف سلوكها بأنه سلوك أجهزة النظام السابق نفسه. وإذ اعترف الحاج بضلوعه والسنوسي في تنفيذ الانقلاب، فإنه قال: «هو لم يكن أول انقلاب»، متسائلاً: «أليس الوضع القائم اليوم انقلاباً عسكرياً»، مضيفاً أن «الفريق عبد الفتاح البرهان نفّذ انقلاباً يُحمَد له أنه أنقذ البلاد، وقد فعلنا مثل فعله هذا في ذلك الوقت». وتوعّد الحاج باللجوء إلى العدالة الدولية في حال مضت الحكومة الانتقالية في إجراءاتها.
في المقابل، لاقت أوامر القبض على منفذي الانقلاب استحساناً من سياسيين وقانونيين، عدّوها «خطوة نحو تحقيق إرادة الشعوب في محاربة ظاهرة الانقلابات»، و«بداية لالتزام السودان بقرارات الاتحاد الأفريقي، والتي لا تعترف بالسلطات الانقلابية». ويرى الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، عبدالله رزق، أن تلك الأوامر «جزء من عملية القضاء على النظام السابق وتصفيته ومحاكمة رموزه»، موضحاً أن «هذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها محاكمات لانقلابيين في السودان، وإنما تمت قبل ذلك محاكمة مدبّري انقلاب 25 أيار/ مايو 1969»، مبيناً أن «المساءلة القانونية لم تحدث لمدبّري أول انقلاب عسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود، لكن كُوّنت لجنة إدانة لرئيس الوزراء عبدالله خليل باعتباره العقل المدبر لهذا الانقلاب». من جهته، يلفت الخبير العسكري والمحلل السياسي، الفريق محمد بشير سليمان، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن «الانقلابات في السودان قام بها السياسيون، والأحزاب السياسية أغلبها كانت أحد أسباب الانقلابات»، متسائلاً والحال هذه: «مَن سيحاكم مَن؟»، داعياً القوى السياسية إلى «تجاوز الماضي والاتفاق على ميثاق سياسي يمنع الانقلابات ويحقّق الديمقراطية ويخرج السودان من هذه الجرثومة التي تأذّى منها».
يُذكر أن قيادة تنظيم «الجبهة الإسلامية» رتّبت لانقلاب 1989، بعد أن تم تفويضها من قِبَل مجلس شوراها الذي كان يضمّ كلاً من حسن الترابي، علي عثمان، علي الحاج، إبراهيم السنوسي، عوض الجاز، عبدالله حسن أحمد ويس عمر الإمام. وفيما رحل الإمام والترابي وأحمد، يواجه المتبقّون اليوم تهمة تقويض النظام. وجاء تدبير الانقلاب بعدما طالب الجيش رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي بإخراج الجبهة من السلطة، وقد برّره التنظيم بأنه لجأ إلى هذا الخيار الذي يتصادم مع الديمقراطية مضطراً.